ببعت
بعت 150 ألف جنيه كل شهر لأمي على مدار سبع سنين، وأنا فاكرة إنها عايشة مرتاحة ومش ناقصها حاجة، لحد ما في ليلة لقيتها واقفة بتغسل أطباق وإيديها متشرحة من المية. “اختك قالتلي إنك يادوب بتتبعتي ألفين جنيه”، قالتها لي وهي مكسورة. مفرقتش معاي المناهدة: سحبت التليفون، فتحت أبلكيشن البنك وراجعت التحويلات، واكتشفت إن حد من دمي كان مخبي عليا حاجة أبشع بكثير.
الجزء الأول
— أماه… انتِ بتغسلي أطباق هنا؟
مريم كانت واقفة في نص استراحة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، قلبها بيدق زي الطبول وشوربتها بتبرد على الترابيزة. وصلت المكان ده بالصدفة؛ الشبورة القوية قفلت الطريق وطيرانها لإسكندرية اتلغى، ولأنها مكنتش مستعدة تستنى للصبح، أجرت عربية وطلعت بيها على طنطا، البلد اللي اتربت فيها وما دخلتهاش من تسع سنين.
عند دخلة الاستراحة، الجوع أجبرها تقف عند مطعم “البرنس للوجبات”. وهناك، ورا باب المطبخ،لمحت ست معجزة طالعة بسبت مليان أطباق وسخة.
كانت عندها تمانية وسبعين سنة، شعرها أبيض زي القطن، مريلتها مبلولة مية، لابسة شبشب قديم نعل دايب، وإيديها حمرا ومورمة ومتشققة من قعدة الساعات في الصابون والمية الساقعة.
كانت فاطمة… أمها.
الست أخدت كم ثانية عشان تتأكد من ملامحها.
— مريم… انتِ ايه جابك هنا يا بنتي؟
— أنا اللي مفروض أسألك السؤال ده يا أمي!
صاحب المطعم ساب فاطمة تخلص شفتها بدري. القعدة جمعت الأم وبنتها وش لوش، زي اتنين أغراب في بينهم ذكريات اكتر من اللقاءات.
مريم مكنتش مستوعبة. هي عندها ستة وتلاتين سنة، صاحبة شركة “نيكسو كير” للتكنولوجيا الطبية اللي بتورد مستلزمات لأكبر مستشفيات مصر. على مدار سبع سنين، كانت بتحول مية وعشرين ألف جنيه كل اول شهر على حساب فتحته لأمها. ولأن فاطمة مالهاش في الموبايلات والبنوك، أختها الصغيرة، دنيا، هي اللي كانت ماسكة الكارت والمصاريف.
— أنا ببعتلكم مية وعشرين ألف جنيه كل شهر — مريم قالتها وهي بتحاول تمسك دموعها بصعوبة — بتغسلي أطباق ليه عشان تمانين جنيه في الشفت؟
فاطمة رفعت عينها فيها:
— دنيا قالتلي إنك بتبعتي ألفين جنيه بس… وساعات ألف… وساعات شهور مابتبعتيش خالص.
مريم حست بوجع في بطنها كأن حد ضربها بسكينة.
سبع سنين… اكتر من عشرة مليون جنيه اتمسحوا.