مراتي
مراتي كانت واقفة قدام البوابة برة تقريبًا من ساعة لما وصلت البيت. قالت لي وهي عينيها مليانة دموع: “ابنك بيقول إننا عشنا هنا أكتر ما يكفي”. جربت الكود بتاعنا: ممنوع الدخول. ما عليتش صوتي. طلعت مفتاح قديم، دخلنا من باب تاني، ولقيت ابني بيقيس المطبخ كأنه بقى بتاعه خلاص.
بعد 38 سنة جواز، كنت فاكر إني خلاص عرفت كل الطرق اللي ممكن قلب مراتي تتكسر بيها.
كنت غلطان.
بعد الظهر ده كنت راجع من محل أدوات البناء اللي تعبت فيه من الصفر في المعادي، لما لقيت سناء واقفة قدام بوابة بيتنا، وحاضنة كيس سوبر ماركت صغير قدام صدرها.
ما كانتش بتسقي الورد.
ما كانتش مستنية حد.
كانت بتعيط.
ركنت العربية بعنف ونزلت.
“سناء؟ بتعملي إيه بره هنا؟”
لما بصتلي، حسيت بحاجة بارعة في معدي.
في إيد كانت ماسكة مفاتيح بيتنا. وفي الإيد التانية شايلة عيش، لبن، وشريط الدواء اللي بتاخده كل يوم للقلب.
“مجدي”، همست. “كريم غيّر البوصة (الباسورد).”
بصيت على اللوحة الإلكترونية بتاعت البوابة.
“إيه؟”
“ابننا غيّر الباسورد. قال لي إني ما بقيتش أدخل تاني.”
للحظة حسيت إني فهمت غلط.
كريم كان عنده 32 سنة. وكان ابننا الوحيد. سناء قضت ليالي بحالها جنب سريره وهو عنده سخونية. وأنا دفعت مصاريف جامعته، وأول عربية جابها، ومقدم الشقة اللي عايش فيها هو ومراته ندى.
“ليه يعمل حاجة زي دي؟”
سناء نزلت عينيها.
“بيقول إن البيت ده في الآخر هيبقى بتاعه كده كده.”
حسيت إن ضُري نشف (فكّي).
“قالك كده؟”
“قال إننا إحنا الرجالة ما بنعرفش أبدًا امتى نطلع على المعاش، وإنه محتاج يبدأ يفكر في المستقبل.”
دخلت الباسورد بتاعنا القديم.
ممنوع الدخول.
جربت تاني.
ممنوع الدخول.
سناء مسحت دموعها بضوافرها.
“برضو قال لي إني ما أعملش فضيحة قبل ما تيجي.”
بصيت لها.
“كريم جوه؟”
هزت راسها بإنها نعم.
“مع ندى.”
قبلها بأسبوعين كانوا طلبوا يقعدوا معانا عشان، على كلامهم، بيعملوا تشطيبات في شقتهم.
سناء وافقت فورًا.
وأنا كمان وافقت.
إحنا أهلهم.
بس في الأيام اللي فاتت دي، ندى بدأت تطلع بكلمات غريبة.
“لما نغير المطبخ ده، نبقى نشيل الدواليب دي.”
“السفرة دي قديمة أوي.”
“أوضة الخياطة دي هتبقى تحفة لو مكتب.”
كنت فاكرها بتتكلم عن المستقبل.
ما كنتش متخيل أنها خلاص حاسة نفسها صاحبة الحاضر.