الي عملتو حماتي

«يا ماما التيتة بتحط بودرة بيضا في الشاي بتاعك لما بتفتكر إن مفيش حد شايفها.»
الجملة دي قالتها لي بنتي فريدة، عندها ٨ سنين، وأنا بطبق قميص حسام جوزي في الصالة. كان المطر بره بينزل خفيف في المعادي، سكون رهيب، بس جوايا حسيت بحاجة بتتكسر زي زجاج اتدشمل.
وقفت مسمرة والقميص في إيدي.
«أنتِ متأكدة يا فريدة؟» سألتها وبحاول أتحكم في صوتي عشان متترعشش.
هزت رأسها بجدية مش بتاعة أطفال سنها خالص: «بتطلعها من برطمان أبيض صغير، وتقلبها جامد، وتفضل واقفة في المطبخ لحد ما تخلصيه كله.»
في اللحظة دي، حماتي “حاجّة سحر” ظهرت في الممر وهي شايلة سبت الغسيل. عايشة معانا من ١٠ سنين، من ساعة ما اتجوزت حسام وهي أرملة، عندها الضغط وركبتها بتوجعها وعايشة في حزن دائم. أنا شلتها في نني عينيا واعتبرتها أمي، لأن أمي الله يرحمها اتوفت وأنا في الكلية.
كشوفات دكاترة خصوصي، أدوية غالية، علاج طبيعي، فسح في الإسكندرية عند قرايبها، هدوم، موبايل.. كل حاجة كانت بتطلبها بتجيلها. كانت بتقعد بفريدة بعد الظهر، وتعمل الأكل، وكل يوم الصبح من غير ما تفوت يوم، تعمل لي كوباية شاي بمرمية.
«عشان تظبطي يا حبيببي، شايفاكي دبلانة اليومين دول،» كانت بتقولها وهي مبتسمة ابتسامتها الحنينة.
لسنين طويلة كنت فاكرة ده حنية وأصل طيب.
في اليوم ده، بعد كلام فريدة، دخلت المطبخ ولقيت الكوباية على الرخامة. الشاي كان دافي، وفي القاع طافية حبيبات بيضا صغيرة زي الجير. معيطتش، ولا صرخت، ولا قلت لحسام حاجة.
مسكت الكوباية، عملت نفسي هأشرب، واستنيت لما الحاجة سحر دخلت الحمام، وفضيت الشاي في إزازة فاضية ونظيفة وشلتها في شنطتي.
على العشا، حطت لي طبق شوربة لسان عصفور، وحطت إيدها المجعدة على إيدي وقالت بحنية جمدت الدم في عروقي: «كلي يا حبيبتي كل طبقك، وشك أصفر ومبقتيش قادرة تقفي.. مش هينفع تسيبيني لوحدي وأنتِ ضعيفة كده.»
كلمة “ضعيفة” فضلت ترن في ودني.
لأني بقالي شهور فعلاً هبطانة من غير سبب، بقع في الجلد، وجع في المفاصل، غمضان نفس، وتحاليل الكبد كلها متلخبطة. الدكاترة في مستشفى دار الفؤاد قالوا لي يمكن إجهاد أو توتر.
بعد العشا، عملت نفسي بنظف المطبخ. شفت برطمان بورسلين أبيض مستخبي ورا علبة الشاي. مديت إيدي، بس الحاجة سحر ظهرت في المطبخ بسرعة غريبة على واحدة ركبتها بتوجعها.
«بتدوري على إيه يا مريم؟»
«ولا حاجة يا حاجة، فاكراه سكر.»
ابتسمت بس عينيها مكنتش بتضحك: «دي أعشاب بتجاب مخصوص من العطار، ريحتها قوية بلاش تفتحيها.»
ليلتها منمتش. الساعة ٥:٣٠ الصبح، استخبيت ورا باب المطبخ. دخلت بالروب، ولعت النور، وعملت الشاي. فتحت البرطمان الأبيض، أخدت معلقة صغيرة بودرة، حطتها في الكوباية، اترددت ثانية، وحطت نص معلقة كمان.
قلبت لحد ما اختفت تماماً.
حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.
نزلت من البيت قبل ما حسام يصحى، وكلمت ندى أختي حبيبتي وصاحبتي، دكتورة تحاليل في القصر العيني. اديتها الإزازة وحكيت لها. بعد ساعتين خرجت لي ووشها أصفر.
«مريم.. الشاي ده فيه نسب عالية جداً من دوا بيثبط المناعة. ده دوا ثقيل ومش بيمشي بالصدفة.. حد بيحطهولك بانتظام، ويمكن بقاله سنين.»
معيطتش. افتكرت كل كوباية شاي شربتها وهي واقفة بتبص لي لحد ما أخلصها.
ندى قالت لي لازم نجيب عينة من البودرة دي ودليل تصوير قبل ما نطلع على النيابة أو نعمل محضر. نفس اليوم اشتريت كاميرا صغيرة جداً على شكل فيشة كهربا وركبتها فوق رخامة المطبخ.
بالليل، لما الحاجة سحر نامت، دخلت أخدت عينة من البودرة. وتحت البرطمان لقيت روشتة ومبايعة متطبقة من صيدلية صغيرة في السيدة زينب. الاسم المكتوب مكنش اسم الحاجة سحر.
كان مكتوب: دكتور أشرف عبد الباقي.
اسم عمره ما عدى عليّ قبل كده.
تاني يوم الصبح، حطت كوباية الشاي قدامي على الفطار. بصت لي بابتسامتها الصبورة: «اشربي الشاي قبل ما يبرد يا مريم.»
رفعت الكوباية عشان أُمثّل. في اللحظة دي فريدة دخلت تجري: «ماما أنا عطشانة، هاتي بق شاي من بتاعك!»
الحاجة سحر وشها اتخطف وبقى زي الميتين.
«لا!» زعقت، «الكوباية دي لأ! متلمسيهاش يا فريدة!»
حسام نزل الجرنان بالراحه وبص لأمه باستغراب: «في إيه يا أمي؟ مالها الكوباية؟ ما تسيب للبنت تشرب!»
الحاجة سحر فتحت بقها، بس مفيش ولا كلمة خرجت.
أنا نزلت الكوباية بالراحه على الترابيزة وبصيت في عينيها.
ولأول مرة من ١٠ سنين، قناع الأم الحنونة يقع من على وشها قدام الكل. حاولت الحاجة سحر تضحك، بس طلعت منها ضحكة مكسورة ومش طبيعية خالص.
«الشاي سخن يا حسام.. البنت ممكن تتلسع.»
حسام مسك الكوباية بأطراف صوابعه: «الشاي مش سخن يا أمي.»
السكون نزل على الترابيزة زي جبل. فريدة استخبت ورا ظهري، ومسكت في بلوزتي بإيديها الصغيرتين وهي بترتعش. كنت عايزة أقوم، آخد بنتي وأجري بره البيت ده، بس كنت عارفة إن لو الحاجة سحر حست إني كشفتها، ممكن تطمس الأدلة أو تعمل حاجة أرعب.
أخدت نفس طويل بالعافية.
«خلاص مفيش داعي للدراما دي كلها،» قلتها وأنا بمثل الإرهاق. «يلا يا فريدة هاتي شنطتك عشان متتأخريش على المدرسة.»
سيبت الكوباية زي ما هي. عين الحاجة سحر مفيش لحظة فارقتني فيها.
في العربية، فريدة انفجرت في العياط: «هي تيتة عايزة تموتك يا ماما؟»
الكلمة شقت قلبي نصين، اضطريت أركن العربية على جنب القريبة من سوبر ماركت في الشارع عشان أقدر أرد عليها.
«أنا هحمينا يا حبيبتي.. بس من النهاردة مفيش أكل ولا شرب تاخديه من تيتة طول ما أنا مش جنبك، فاهمة؟»
هزت رأسها بطفولة مرعوبة.
بعد ما نزلتها قدام باب مدرستها في المعادي، بعتت الفيديوهات، والتحاليل، وصورة الروشتة لندى أختي، ونسخة ثانية على أكونت ثاني احتياطي. الساعة ٤:١٢ بعد الظهر، الموبايل اتهز بإشعار حركة في المطبخ.
فتحت البث المباشر.
راجل في الخمسينات، أسمر، لابس كاب أسود وجاكت مطر، واقف جوه مطبخي! الحاجة سحر أخدته وراحت بيه عند الرخامة. فتح البرطمان الأبيض، وسلمها كيس متغلف بألومنيوم وقال كلام الصوت ملقطهوش كويس.
فجأة، وقف مكانه.
وبص ناحية الفيشة المزيفة بتركيز.
قلبي وقفت دقته.
الراجل أشار بإيده على الكاميرا. الحاجة سحر قربت بالراحة، الصورة اتهزت، إيدها غطت العدسة.. والشاشة بقت سودا.
اتصلت بحسام ٨ مرات.. مابيردش. كلمت ندى وهي بتصرخ في التليفون: «روحي هاتي فريدة حالاً من المدرسة! متستنيش ثانية!»
سوقت العربية زي المجنونة وإيدي بتترعش على الدركسيون. دخلت أجرِي على مكتب الناظرة، بصت لي باستغراب وفتحت الدفتر: «بس فريدة مشيت من بدري!»
حسيت إن الهواء اتسحب من ذقتي: «مشيت مع مين؟!»
«مع جدتها الحاجة سحر.. هي مكتوبة في قائمة الأقارب المسموح لهم بياخدوها.»
الدنيا لفت بيا.
لما وصلت البيت، حسام كان لسه نازل من العربية، متضايق إن عنده ١٤ مكالمة لم يُرد عليها. بس أول ما شاف وشي، مأنطقش. ورّيته كل حاجة: الفيديوهات، التحاليل، الروشتة، وصورة الراجل الغريب.
حسام قعد على كرسى المطبخ ورجليه مش شايلاه: «أمي أنا.. مستحيل تعمل كده!»
«عملت يا حسام!» صرخت فيه، «وبنتك معاها دلوقتي!»
واحد من قرايب حسام افتكر إن الحاجة سحر سألت من يومين عن زاوية قديمة مهجورة قريبة من المقطم، مكان كان العيلة بتزور فيه أولياء الله زمان. كلمنا النجدة، طلعنا على قسم الشرطة، ومنه على الهضبة تحت مطر غزير مبيقفش.
في نص الطريق، الموبايل رن من رقم غريب.
«ماما!» فريدة بتعيط، «أنا بردانة أوي.. تعالي خديني.»
بعدها سمعت صوت شدة والتليفون أتاخد منها، وصوت الحاجة سحر: «متجيبيش بوليس يا مريم.. أنا بس عايزة حسام يفهم أنتِ عملتي فيا إيه.»
«رجعي لي بنتي يا سحر!»
«أنتِ سرقتي مني ابني الوحيد!» صرخت بغل، «أنا اللي ربيته وكبرته قبل ما تظهري في حياته.. ومن يوم ما دخلتي البيت وهو مبقاش محتاجلي!»
الخط قطع.
لما وصلنا الزاوية المهجورة، بوكسات البوليس كانت ورايا. الحاجة سحر كانت واقفة تحت سقف الحجر، مبلولة كلها، وماسكة فريدة من كتفها. وفي إيدها الثانية البرطمان الأبيض.
حسام قرب منها ببطء ودموعه نازلة: «يا أمي سيبى البنت.. عشان خاطري.»
بدأت تعيط بحرقة: «أنا كنت عايزة مريم تتعب شوية بس يا حسام.. عشان لما تبقى ضعيفة، ترجع أنت تحميها وتحتاجلي تاني! دكتور أشرف هو اللي قال لي أحط أد إيه.. هو اللي ساعدني!»
فريدة اتملصت من إيدها وجريت عليّ، حضنتها بكل قوتي لحد ما وقعنا إحنا الاثنين في الطين.
ولما البوليس بيحط الكلبشات في إيد الحاجة سحر، صرخت بصوت هيستيري: «أشرف مكنش بيعمل كده عشاني أنا! أشرف كان يعرف أم مريم من زمان! القصة دي بدأت من قبل ما أنتم تتجوزوا أصلاً!»
بعدها بساعات، في أوضة بنسيون قديم في وسط البلد، المباحث لقيوا صور لبيتنا، ولمدرسة فريدة، وصور لأمي وهي صغيرة.. وفي أجندة قديمة مكتوب فيها جملة متخططة بالأحمر:
“لو سحر فشلت.. استخدموا البنت.”
في اللحظة دي، جالي مسج على الموبايل برقم مجهول فيه صورة.
صورة حظاظة فريدة الفضة اللي ضاعت منها في الزاوية.
وتحتها مكتوب:
«أمك مكنتوش ملائكة زي ما فاكرة.. تعالي لوحدك المعمل القديم لو عايزة تعرفي الحقيقة.»
مسكت الموبايل وإيدي بتترعش، الرسالة كان فيها عنوان المعمل القديم في منطقة شق الثعبان بالقرب من المقطم، مكان مقطوع ومفيهوش صرصار حقل ينطق.
بصيت لفريدة وهي نايمة في حضن حسام في الصالة، حسام كان قاعد زي الجث.ة، عينه متثبتة في الأرض ومذهول من الصدمة. طلعت بره الشقة من غير ما يحسوا، ونزلت خدت عربيتي ومشيت في الظلمة تحت المطر اللي بيزيد.
وصلت المعمل. كان مبنى قديم مقفول من السبعينات، يافطته المصدية مكتوب عليها “معمل التحاليل الطبية والتركيبات”. الباب الحديد كان موارب وبيطلع صوت صرير مع الهوا. فتحت كشاف الموبايل ودخلت، ريحة الرطوبة والأدوية القديمة كانت تكتّم النفس.
«كنت عارف إنك هتجيء لوحدك.. طالعة لأمك، شجاعة وبتروح للموت برجليها.»
الصوت جه من ورايا. اتلفت بفرعة ولقيت الراجل الأسمر، دكتور أشرف عبد الباقي، واقف ولابس البالطو الأبيض القديم بتاعه، وتحت النور الضئيل شفت وش فيه ندبة كبيرة.
«أنت مين؟ وأمي دخلها إيه باللي بيحصل ده؟» صرخت فيه وأنا برجع خطوة لورا.
ضحك ضحكة جافة وطلّع ملف أصفر قديم: «أمك “وفاء” مكنتش مجرد مريضة ماتت بالسرطان زي ما فهموكي.. أمك كانت شريكتي في المعمل ده من ٣٠ سنة. إحنا اللي كنا بنصنع التركيبات الطبية غير الترخصة ونوردها للصيدليات، ولما الشرطة بدأت تشم خبر، أمك خافت وباعتني! بلغت عني وشيلتني القض..ية لوحدي وأخدت ٧ سنين سجن، ولما خرجت، كانت هي ماتت وربنا أخد لي حقي منها.. بس أنا مكنتش شبعت انتقام.»
حسيت بركبي بتخبط في بعضها: «يعني إيه؟»
«يعني لما عرفت إن حسام ابن الحاجة سحر اتجوزك، عرفت دخلتي لبيتك. سحر ست جاهلة وعبيطة ومريضة بحب الامتلاك لابنها، استغليت غيرتها منك وأوهمتها إن البودرة دي مجرد أعشاب بتهديكي وتخليكي مهدودة عشان هي ترجع تمسك البيت وتدير حياة ابنها.. سحر كانت مجرد أداة في إيدي عشان أدوقك من نفس السم اللي أمك دوقتهولي، وأخليكي تموتي بالبطيء وأنتِ فاكرة إن جسمك بيخونك!»
«أنت مجنون!» صرخت وأنا بحاول أطلع الموبايل أطلب النجدة، بس مسك إيدي بقوة وعصرها لحد ما الموبايل وقع اتدشمل على الأرض.
«ولما السحر الجاهلة فشلت وظهرت الكاميرا، كان لازم أخد البنت عشان أضمن إنك هتيجي بنفسك هنا.. والنهاردة القصة دي هتتقفل تماماً.»
سحب سرنجة من جيبه فيها سائل شفاف وقرب مني بغل. قاومته بجل قوتي، ضربته بالشنطة في وشه وخربشت وشي، بس كان أقوى مني وضغطني على الترابيزة الرخام.
وفجأة.. صوت هبدة قوية على الباب الحديد!
الباب اتفتح بصرخة، وحسام دخل بيجري ومعه قوة من المباحث وندى أختي. حسام شاف الراجل وهو ماسكني، هجم عليه زي الأسد الجريح، ضربه بقبضة إيده في وشه لحد ما وقع على الأرض والسرنجة اتكسرت تحت رجليهم. البوليس قيد أشرف ورماه في بوكس الشرطة وهو بيصرخ ويهدد.
حسام حضنني وهو بيبكي ويستسمحني على كل لحظة شك فيها أو سابني لوحدي. ندى جرت عليّ وأخدتني في حضنها.
بعد ٦ شهور..
الحاجة سحر أخدت حكم بالسجن، ودكتور أشرف أخد حكم مشدد بتهم محاولة الق..تل العمد والإتجار في مواد حيوية محظورة.
أنا خضعت لعلاج مكثف لتنقية جسمي من السموم، وبدأت أسترد صحتي ولوني الراجع لوشي. فريدة رجعت لضحكتها ولعبها، وقفلنا شقة المعادي ونقلنا لبيت جديد خالص، بعيد عن كل ذكريات الماضي والبيت اللي كان مسموم بالغل.. واتعلمت إن ساعات الأقربين بيكسروك، بس ربنا دايماً بيبعت النور في أضيق لحظات الظلمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *