عمياء
أنتِ عبيطه ولا عمياء؟! كنتِ هتضيعي الواد!»
أحمد الشناوي نزل من عربيته الجيب السودا وهو قلبه بيدهس من الخضة، والغيظ طالع من كلامه قبل عقله. كان ضاغط فرامل بكل قوته في ملف بحي المهندسين في الجيزة. القهوة اتدلقت على قميصه، والمكالمة المهمة شغالة في السماعة، وقدام كابوت العربية تماماً.. ست ماسكة في عربية الأطفال كأنها بتحمي ابنها بحديث روحها.
— «أنا بكلمك على فكرة! هو أي حد معدي بخلفة ينزل الشارع كده وخلاص؟!»
الست ماردتش. اتوطت على الطفل، حطت إيدها على أورته ووشوشته بصوت مكسور:
— «اهدى يا يوسف يا حبيبي.. حصل خير، خلاص.»
لما رفعت وشها وبصلته.. أحمد حس إن لسانه اتعقد والكلام طار من دماغه.
دي كانت مريم!
من سنتين، مريم كانت السكرتيرة الخاصة لأبوه، الحاج توفيق الشناوي، شريكه في شركة “الشناوي للتكنولوجيا”. أحمد فاكر اسمها كويس، فاكر شطارتها، والأهم.. فاكر ورقة واحدة ما كملش ثواني وبص فيها ورماها بـ «إقالة بسبب انقطاع متكرر واستجابة ضعيفة للعمل».
من يومها، اسمهما مجاش على باله ولا مرة.
لحد الصبح ده.
مريم كانت خاسة جداً، الهالات السودة حفرت تحت عينيها، وشعرها لمّاه بأي كلام. أما “يوسف”، اللي عنده يجي سنتين وشوية، فكان نفسه طالع بالعافية وخدوده ملهلبة.
— «ده سخن مولع!» — أحمد قالها وصوته هدي فجأة.
— «من إمبارح بالليل.. أنا رايحة بيه الوحدة الصحية.»
— «مشياً؟!»
— «مش بعيدة.. مشوار ربع ساعة، والتاكسي دلوقتي الشيء الفلاني.»
الكلمة دي نزلت على أحمد زي المية الساقعة. هو اللي بيحسب حياته بالدولار والعقود والمؤتمرات اللي بالآلاف، واقف قدام ست، جرة قلمه من سنتين قعدتها في البيت، وجاية النهاردة تحسب مصاريف تاكسي عشان تلاحق ابنها العيان!
— «اركبوا.. أنا هوديكم.»
مريم كانت هتتردد وتقول لأ، بس يوسف أنهى الجدال بعياط مكتوم من التعب. اركبت.
في المستشفى العام، أحمد قرر يستنى. قعد يتفرج على الناس: أمهات دايخين من السهر، أجداد شايلين عيالهم، وآباء بهدوم الشغل العرقانة مأنطروش يناموا ساعتين. ولأول مرة في حياته، ساعتين انتظار بقوا أهم عنده من أكبر اجتماع شركة.
الدكتور قال إنها دور برد شديد ومحتاج مضاد حيوي والحرارة تنزل.. الحمد لله بسيطة.
بعدها، مريم عزمت عليه بكوباية شاي في شقتها الصغيرة الإيجار في منطقية فيصل. أحمد دخل وقعد. على الترابيزة كان فيه كشكول صغير مكتوب فيه بالمواعيد: