لو بنتك
الجزء الأول
«لو بنتك هتفضل كده طول عمرها، أنا مش هضيع عمري وأنا بشيل همها.»
شريف قال الكلمة دي قدام مستشفى الأطفال في المنيرة، من غير حتى ما يوطي صوته. أنا كنت لسه ماسكة في إيدي التقرير اللي شقلب حياتنا في ثانية: مريم، بنتنا اللي عندها ثلاث سنين، اتأخصت باضطراب طيف التوحد.
لحد اللحظة دي كنت مستحملة سكوته، وعدم اهتمامه، وهوسه الجديد بالمراهنات على النت. بس إنه يوصف بنتنا بـ “الحمل”، دي الحاجة اللي كسرت جوايا كل حاجة.
الدكتورة كانت لسه شارحة لنا إن مريم محتاجة جلسات تخاطب، وتعديل سلوك، وصبر كبير. أنا عيطت، وشريف كان ماسك الموبايل ومش باصص لينا أصلاً.
— “وهيكلفنا كام الكلام ده؟” .. شريف سأل ببرود.
— “على حسب احتياجها، بس المهم نبدأ بسرعة.” .. الدكتورة ردت.
— “عظيم، مصاريف ثانية والسلام!” .. تمتم شريف مع نفسه.
طول الطريق وأحنا راجعين شقتنا في مدينة نصر، ما فكرش يمسك إيدي ولا يطبطب عليا. أول ما دخلنا الشقة، ركب الدبوس ورمى ظرف أصفر على ترابيزة الصالة.
— “دي ورقة الطلاق. وقعيها.. أنا مش هعافر على الحضانة.”
بصيت له وأنا مش مصدقة: “النهارده؟ في نفس اليوم اللي بنعرف فيه خبر زي ده؟”
— “بالظبط، النهارده. أنا لسه قدامي عمر وأمل يا مريم، مش هقضيه بين جلسات وزعيق ومصاريف مش بتخلص.”
لم حاجته في شنطة كبيرة وخرج، وقفل الباب وراه.
وقفت مسمرة في مكاني ومريم في حضني. مريم لسه مش بتتكلم كلام مفيد، وعمرها ما قالت لي “ماما”. عشان تهدى من التوتر، كانت بتقعد على الأرض ترص أغطية الأزايز في خطوط مستطيلة جنب بعض.
لما بدأت أستوعب، افتكرت تحويشة عمرنا.
بقالي ست سنين أنا وشريف بنجمع قرش على قرش، عملنا جمعيات وجمعنا حوالي 600 ألف جنيه عشان نشتري شقة أكبر. جريت على الدرج اللي بنشيل فيه الورق، دفتر التوفير مكنش موجود.
فتحت ابلكيشن البنك على الموبايل.
الرصيد المتاح: 0.00 جنيه.
افتكرت السيستم فيه مشكلة، حُدثت الصفحة مرتين وثلاثة.
لاشيء.
تاريخ المعاملات كان مليان تحويلات بالليل على مدار شهور. خمسين ألف، ثلاثين ألف، سبعين ألف.. تحويلات لمواقع وتطبيقات غريبة. آخر تحويل، بـ 200 ألف جنيه، اتعمل قبل تشخيص مريم بيومين بس.
شريف صفى الحساب بالكامل.
هو مش بس سابنا وهرب، ده أخد فلوس علاج بنته اللي كنت متأملة فيها.