الفطار
ـ “يا ماما، بكره اصحي قبل خمسة. جوزي بيحب يفطر أكل صابح، وعنده اجتماعات مهمة.”
قالت هدى الجملة دي ورزعتها في وشي بنفس البساطة اللي رمت بيها شنط سفرها في الصالة.
بصيت لها وأنا لسه ماسكة معلقة الشاي في إيدي ومذهولة.
بقالها أربع شهور مابتجيش تزورني في الفيوم. أربع شهور مكالمات كروكي، ورسايل مابتتردش عليها، وحجج مالهاش أول من آخر إن شغلها الجديد في القاهرة واكل وقتها.
وفجأة.. ظهرت الصبح من غير إحم ولا دستور.
وماجتش لوحدها.
دخل وراها واحد طويل، متأنق زيادة عن اللزوم، لابس ساعة بقد كدا، وجزمة بتلمع ماتنفعش خالص للمشي في شوارع القرى، وابتسامة مرسومة على وشه زي ما يكون متدرب عليها قدام المراية.
ـ “ماما، ده شريف.” هدى قالتها وهي بتوريني خاتم ألمظ كبير في إيدها. “جوزي.”
افتكرت نفسي سمعت غلط.
ـ “جوزك مين؟!”
ـ “اتجوزنا يوم الجمعة.. كتب كتاب صغير كدا، على أدينا.”
حسيت بنغزة جامدة في صدري.
بنتي الوحيدة اتجوزت من غير ما تقولي؟
ولا مكالمة؟ ولا صورة؟ ولا حتى رسالة؟!
شريف فتح إيديه وكأنه جاي يطبطب عليا وبيهديني.
ـ “ما حبيناش نعمل دوشة يا طنط منيرة.. هدى قالت لي إنك هتتفهمي الموقف.”
الكلام ده وجعني أكتر وأكتر.
بس بلعت الوجع وجمعت نفسي.
في سني ده، اتعلمت إن رد الفعل في لحظة الغضب دايماً بيفيد الشخص اللي قاصد ينرفزك.
عملت لهم قهوة وسألتهم ناويين يقعدوا قد إيه.
ـ “أسبوع كدا..” هدى ردت. “عايزين نريح شوية بعد دوشة الجواز.”
عدى يومين، والزيارة شكلها ما بقاش زيارة خالص.
شريف كان ماشي يايقيس الأوض بالموبايل، يايصور الجنينة والروف.
يسأل عن مساحة الأرض بالتفصيل، ويا ترى الأرض مسجلة ولا لأ، ويدفع كام ضرائب، ومين اللي مكتوب باسمه العقد.
لما سألته إيه كل الفضول ده، ضحك وقال:
ـ “معلش يا طنط، أصل شغلانتي تطوير عقاري وبحب أقيم الأماكن.”
في اليوم التالت بالليل، سمعته بيتكلم في التليفون في الجنينة.
ـ “الفيلا على البحيرة تسوى كتيير.. أه والله.. والست عايشة لوحدها، يعني الموضوع هيمشي بسلاسة خالص.”
أول ما شافني طالعاله، قفل السكة على طول.
في نفس الليلة، هدى جيت قعدت قدامي.
ـ “ماما.. إحنا لازم نتكلم في مستقبلك.”
كنت فاهمة اللي جاي.
ـ “مستقبلي؟”
ـ “البيت ده كبير أوي عليكي يا ماما.. شريف بيقول لو بعناه هيجيب مبلغ محترم. تاخدي جزء منه تشتري شقة حلوة وملمومة في التجمع، والباقي تستثمريه مع شريف في مشاريعه.”