مليش ام

— أنا ماليش أم.

صوت ابني رن في قاعة الفرح والمايك في إيده، وأنا بتفرج عليه من شاشة التابلت وأنا قاعدة في شقتي في شبرا، حاطة الكوفرتة على رجلي وعلامة الزرقان بتاعة المحلول لسة باينة في إيدي.

سيف كان واقف مع مراته نورهان، ومن وراهم الأنوار المنورة، وفي أول صف كانت حماته مسكة صدرها وبتعيط من التأثر.

— أابويا وأنا طلعنا الدنيا لوحدنا —كمل سيف— هو كان الأب والأم. والنهاردة، الست ميرفت فتحتلي بيتها وحضنتني زي ابنها. من اللحظة دي، هي الأم اللي اتحرمت منها طول عمري.

الناس كلها وقفت تسقف، ونورهان حضنت أمها، وسيف وطى راسه احتراماً ليها.

أنا وقتها الأكسجين اتسحب من صدري.

تسعة وعشرين سنة شغالة ممرضة نبطشيات بالليل في القصر العيني. لما كان بيجيله سخونية، كنت برجع من الشفت بالبالطو الأبيض أعمله كمادات وأسهر جنبه. لما أبوه سابنا وطفش، شلت الشيلة لوحدي، دفعت مصاريف المدرسة والدروس وكلية التجارة، وبعت غويشتين ألمظ عشان يسافر يعمل دبلومة في دبي. الراجل اللي طالع يوصفه بالشهامة، بقاله عشرين سنة ما يعرفش عنا حاجة ولا بيسأل إن كنا عايشين ولا ميتين!

بس في القاعة الفخمة دي في التجمع الخامس، الميتة كانت أنا.

الممرضة اللي بتجيلي البيت تديني جلسات التنفس عشان دور الرئتين، هي اللي ظبطتلي البث المباشر، لأن سيف أصر إن المشوار هيبقى تقيل عليا ومش هتحمل الزحمة.

— يا أمي أوعديني ما تجهديش نفسك —قالها لي من أسابيع— الفرح طويل وفيه سلم كتير وأنتِ لسة صحتك مش قد كده، هبعتلك اللينك تتفرجي وتفرحي وأنتِ مرتاحة.

وأنا صدقته.

وصدقت كمان إن عدم وجود اسمي في دعوة الفرح كان مجرد غلطة مطبعة. في خانة أهل العريس كان مكتوب بس: “الأستاذ مصطفى فهمي، والد العريس”.

— وأنا فين يا سيف؟ —سألته.

ما رفعش عينه من الموبايل وهو بيرد:

— عشان مش هتيجي يا أمي، المصمم قال بلاش زحمة كلام وتبقى أروق.

— بس أنا أمك، حتى لو مش جاية!

— ما تعمليش مشكلة من ورقة يا أمي، نورهان مضغوطة ومش ناقصة.

نورهان، اللي كانت قاعدة قدامي، ابتسمت بجمود وقالت:

— إحنا عاوزين الفرح يبقى ستايل ونظيف يا طنط إلهام، من غير دراما ومستشفيات وجو تعب.. أنتِ عارفة أفراح اليومين دول.

“نظيف”.. كأن وجودي كان بقعة محتاجة تنظيف!

ومع ذلك، عملت لهم علبة فيها المفرش الصيرما المذهب اللي كنت شايلاه من أيام جهازي. سيف قال هيعدي ياخدها.. وما جاش.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *