حماتي

القصة دي دي كانت البداية… يوم ما حماتي قالت على جوزي إنه “بقى عالة” بعد ما خسر إيدو، عرفت إن اللحظة دي هي النقطة اللي مش هنرجع بعدها تاني.

مصطفى كان بقاله تلات أيام في المستشفى. وشه كان أصفر وذراعه الشمال ملفوف بشاش من بعد المعصم. عفاف، حماتي، دخلت الأوضة، بصت عليه ثانيتين وقالت:

— وبعدين معاك يا مصطفى؟ إزاي تسيب المكنة تسحبك كده؟ أنت كبرت وخلاص بقيت راجل مفروض تخلي بالك من نفسك!

أنا اتسمرت مكانى من الذهول.

أحمد، أخوه الصغير، قام من على الكرسي بسرعة:

— يا ماما! الراجل لسه طالع من عملية وإيده راحت!

— وأعمله ايه يعني؟ أترمى على الأرض وأصرخ؟ وبعدين أنا جعت من الصبح، يلا بينا نجيب حاجة نأكلها.

— روحي أنتِ يا طنط —قلتلها بصوت مقهور—. وجودك هنا مش هيفرق في حاجة.

عفاف مسكت شنطتها بأفاوطة، وخرجت وهي بتقول إننا بنحب نعمل دراما وخلاص.

مصطفى حاول يبتسم عشان يهديني:

— خلاص يا ندى.. بلاش مشاكل عشان خاطري.

بس في نفس الليلة دي، شفته واقف جنب الشباك بياخد نفسه بالعافية، وبيحاول يزرر قميصه بإيد واحدة. بعد كام محاولة فاشلة، نزل رأسه وبدأ يعيط بكسرة ومن غير صوت.

حضنته من ضهره جامد:

— مش لازم تعمل فيها قوي طول الوقت.. عادي تزعل.

— طول عمري بعرق وبشتغل بإيديا دول يا ندى —همس بصوت مكسور—. أنا مش عارف هبقى مين من غير واحدة منهم.

بس أنا كنت عارفة هو مين كويس.

أنا عرفت مصطفى لما كان عنده 27 سنة، وكان شغال فني صيانة في مصنع قطع غيار في العاشر من رمضان. أنا كبرت مع أمي اللي كانت بتعمل أكل بيتي وتبيعه عشان تصرف علينا بعد ما بابا سابنا ومشي. عشان كده لما شفت إيديه الخشنة في أول مرة اتقابلنا، ماضايقتنيش.. بالعكس، حستني بالأمان.

مع الوقت عرفت إن أبوه اتوفى وهو صغير، وإن طنط عفاف تقريباً ما كانتش موجودة في حياتهم. مصطفى بدأ يشتغل وهو عنده 15 سنة، يشيل بضائع، يغسل عربيات، ويصلح موتورات.

كان شاطر جداً في مدرسته، بس لما خلص ثانوية عامة ضحى بالكلية.

أحمد، أخوه الصغير اللي أصغر منه بأربع سنين، كان عبقري في الرياضة وكان حلمه يدخل هندسة.

— مصطفى ساب التعليم واشتغل عشان يصرف عليا وأنا في هندسة القاهرة —أحمد قالها لي قبل فرحنا—. كان بيجيبلي الكتب، يدفع المصاريف، وحتى إيجار السكن في الجيزة. مصطفى بالنسبة لي كان أب مش مجرد أخ.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *