المكان المناسب
“ده المكان المناسب للكلاب البلدي!”.. أمي قالتها بصوت مليان غل وهي واقفة فوق مراتي الحامل ومسكة جردل مية بتلج. أنا لسه راجع من مأمورية الصاعقة اللي قعدت فيها سنة كاملة، عشان ألاقي مراتي محبوسة في غرفة الخزين اللي في الجنينة. “عشان خاطر ربنا.. العيل بيموت من البرد!”.. مراتي قالتها وهي بتبكي وبتترجى. أمي ضحكت ببرود وقالت: “اللي في بطنك ده مش من عيلتنا، ولا يلزمنا!”
اللي أمي مكنتش تعرفه، إني كنت واقف وراها مباشرة.. ومعايا أفرادي كلهم بالزي العسكري.
اتنحنحت وصوتي هز المكان: “عندك حق يا أمي.. فعلاً فيه حد هنا ما يلزمهوش المكان ده.. بس الحد ده هو أنتِ، عشان…”
لو كنت اعرف إن من دمي ولحمي ممكن يحاول يطفي النور اللي في حياة مراتي، كنت أخدتها معايا في المأمورية وما سبتهاش لحظة.
أنا المقدم كريم عبد الرحمن. سنة كاملة في خدمة شاقة على الحدود، عايش على مكالمات مقطوعة وشبكة ضايعة.
وأمي.. الحاجة نادية.. الست الهانم اللي الشارع كله بيعملها ألف حساب، كانت كل ما أكلمها تخدعني بكلامها المعسول:
“يا كريم يا بني، ياسمين تعبانة من الحمل وبترتاح فوق.. أنا شايلاها في عينيا وبراعيها زي ما الكتاب بيقول.”
كنت مغفل ومش فاهم الخبث اللي ورا كلامها.. لحد ما جاتلنا أوامر بالرجوع السرّي والمفاجئ.
أول ما فتحت التليفون بعد ما نزلنا من العربيات، لقيت رسالة صوتية واحدة جاية لي من مراتي.
مفيش كلام.. مجرد صوت نفس مقطوع من الرعب، وصوت دبة القفل الحديد وهو بيتقفل بقسوة!
وبعدها جه صوت أمي الفحيح من ورا التسجيل: “نامي دلوقتي يا بنت الشوارع.”
تحركنا في منطقتنا في الشيخ زايد زي الأشباح في نص الليل.
عشرين راجل من أجدع الضباط والعساكر، طالعين من قلب النار وراجعين على كابوس مش محتمل.
الفيلا كانت من برة هادية ومتستفة والحديقة زي الفل تحت إضاءة العواميد.
بس من ورا.. من ناحية الأوضة الخرسانة المقفولة اللي في أخر الجنينة.. كان فيه ضوء باهت طالع من الشباك الصغير.
قلبي اتعصر من الخوف. أدّيت إشارة للرجالة يمنّوا المكان، وقرّبت بخطوات ساكتة على النجيل.
الهدوء كان يرعب.. لحد ما جه صوت طرطشة مية شديدة، وصرخة مكتومة وموجوعة خرمت الهدوء.
جريت وبصيت من النظارة الإزاز الصغيرة اللي في الباب الحديد.