جوزي
عرفت إن مصاريف المستشفى والتوليد اتدفعت من فلوس الشركة.
وحتى فواتير الاستشارات الوهمية اللي اتعملت عشان تغطي المصاريف.
ما واجهتوش.. لأن الغضب بيروح، لكن المستندات والأوراق بتفضل.
اللحظة الحاسمة
قبل ما أقفل الشنطة، فتحت الخزنة وطلعت آخر حاجة: ظرف طبي مقفول.
من سنتين، وبعد سنة ونص من المحاولات الفاشلة لإنجاب أطفال، عملنا أنا وطارق تحاليل وفحوصات للخصوبة. أنا حضرت كل المواعيد، لكن طارق تهرب وما حضرش الجلسة الأخيرة لاستلام النتائج. ولما كنت بحاول أفتح معاه الموضوع، كان بيبقى عصبي جداً ويقولي:
”الموضوع ده ما يتفتحش تاني أبداً!”
فسكت.. بس احتفظت بالتقرير الطبي الأصلي زي ما استلمته من المركز بالضبط.
مسكت القلم وكتبت كلمتين على الظرف من بره: طارق الرَوان.
نزلت بيه وحطيت الظرف على ترابيزة السفيرة جنب الشيك اللي فريدة هانم سابته.
وسحبت شنطتي ورايحة على باب الفيلا.
قبل ما أخرج بالظبط، طارق لمس الظرف وقال بضحكة مستفزة:
”إيه ده كمان؟”
فتحه بلامبالاة..
وقفت عند الباب.
لثواني معدودة، محدش نطق كلمة.
بدأ طارق يقرأ.. ومع كل سطر، ملامحه كانت بتتغير.
الابتسامة المغرورة اختفت.
وشّه أصفرّ ولونه اتخطف.
صوابعه بدأت تترعش وهو بينقل عينه بين السطور بسرعة: التاريخ.. بيانات المريض.. تقرير العقم الكامل.. وتوقيع الاستشاري.
قرأ نفس السطور مرة ومرتين وتلاتة، كأنه بيحاول يكذب عينيه.
وفجأة، رجله ما شالتوش.. وقع على أرضية الرخام وهو ماسك التقرير الطبي بإيده المترعشة.
”لأ…”
الكلمة طلعت منه بالعافية.
رفع راسه ببطء وبص لميرنا.. وبعدين بص للتوأم اللي نايمين في حضنها.
وشه بقى أبيض زي القماش.
همس تاني بصوت مكسور:
”لأ.. ده مش ممكن يكون صح…”
(
التقرير الطبي كان فيه نتائج تحليلين مختلفين من معملين كبار، ومعاهم النتيجة النهائية للاستشاري:
طارق عنده عقم كامل وانسداد حاد غير قابل للعلاج.
التحاليل أثبتت إن العينات خالية تماماً، وتحليل الجينات بيأكد إنه من المستحيل ينجب بشكل طبيعي. المركز كان طالبت منه متابعة وفحوصات تانية، بس طارق رفض كل ده ووقتها قرر يعيش في الوهم وكأن التقرير ده ما اتكتبش اصلاً.
كنت واقفة عند باب الفيلا وبراقب وشه وهو بيقرأ، ويعيد التقرير ويقارن بين التاريخ، ورقم الملف، وتوقيع الدكتور.. وفي نفس اللحظة، التوأم بدأوا يعيطوا بصوت عالي في حضن ميرنا.
حماتي فريدة هانم قربت بحدّة وقالت بصوت جوهري:
”التقرير ده فيه إيه يا طارق؟ انطق!”
طارق رفع راسه ببطء، وبص لميرنا بنظرة مكسورة وسألها بصوت مبشوح:
”مين أب الولاد دول يا ميرنا؟”
وش ميرنا اتخطف ولونها اتقطع:
”أنت طبعاً يا طارق! إيه الكلام ده؟ احنا كنا مع بعض دايماً!”
طارق صرخ فيها وصوته بيتخنق:
”أنا بسألك مين أبيهم الحقيقي؟!”
فريدة هانم شدت الورق من إيده بسرعة، وقرأت التقرير.. وفي ثواني، وُشها اتقلب وأبيضّ تماماً زي الملاية. ميرنا رجعت خطوتين لورا وحضنت الولاد بقوة.
أنا ما كنتش عايزة الحقيقة تضر الأطفال المظلومين دول، بس كان لازم الكبار يشيلوا شيلتهم:
”اعملوا تحليل DNA حقيقي وفي مكان محايد.. المرة دي ادفعوا حق التحليل من حسابكم الخاص مش من فلوس الشركة.”
مسكت شنطتي وخرجت لبره، كانت العربية الجيب المصفحة مستنياني. استاذة نادية، المحامية بتاعتي، كانت قاعدة ورا ومعاها كرتونة مليانة نسخ من المستندات والتقارير المالية. أول ما تحركنا، دست على التابلت بتاعها ووقعت إلكترونياً على طلب مستعجل للنيابة والمحكمة:
تجميد أصول طارق، ووقف أي تعاملات مالية مشبوهة، ومنعه من السيطرة على أي أسهم في شركة “الرَوان للعقارات”.
سألتني المحامية: “أكيد جاهزة نرفع القضايا دي دلوقتي؟”
رديت بثبات: “أكيد.”
بداية الانهيار
على أخر اليوم، مجلس إدارة الشركة كان استلم أول تقرير من المراجعة المالية. الفواتير المزورة والمبالغ المتهربة دخلت في أكتر من 65 مليون جنيه!
الفلوس دي اتدفعت لشقة ميرنا في الرحاب، ومصاريف مستشفى التوليد، وسفريات، وغير الفواتير الوهمية اللي راحت لمكتب محاسبة تبع حماتي.
والأدهى من كده، لقوا مسودة قرار لمجلس الإدارة بيزعم إني تنازلت عن أسهمي وحقي في الإدارة مقابل الشيك بتاع الـ 80 مليون جنيه! بس خطتهم كانت غبية، لأن كاميرات المراقبة في صالة الفيلا سجلت فريدة هانم وهي بتعرض عليا الشيك وبتقولي “اختفي من حياتنا”.
في الليلة دي، طارق اتصل بيا 43 مرة..