لو عايزه تشوفي إبنك

الجزء الأول
«لو عايزة تشوفي الشارع تاني قبل ما الولد ده ينزل للدنيا، توشكي على عقد بيع الأرض وبلاش شغل الضحية ده!»
ده الكلام اللي سمعته من حماتي من ورا باب الخشب، وأنا في الشهر التامن من الحمل، بعافر وبخبط بكل قوتي عشان يفتحولي.
قبل الكابوس ده بساعات، كنت فاكرة إن “سعاد” ست شديدة شوية صعبة التعامل، بس عمري ما تخيلت إنها ممكن تؤذيني.
كنا عايشين في كومبوند هادي في التجمع الخامس. الشقة دي كانت ملكي من قبل ما أتجوز “كريم”. اشتريتها بعد سنين شقى وشغل في إدارة الحسابات، وكمان كان حيلتي قطعة أرض حوالي فدانين في طريق السخنة، ورثي عن بابا وماما الله يرحمهم. دي مش رفاهية.. دي شقى عمرهم اللي سابوهولي.
سعاد حماتي، و”شهد” اخت كريم الصغيرة، كانوا عايشين معانا بقالهم سنتين «لحد ما أمورهم تتظبط». وكنت أنا اللي شايلة معظم مصاريف البيت وعمري ما زايدت عليهم ولا فتحت بؤي.
يوم الجمعة الصبح، كريم لم شنطته وطلع على المطار، كان مسافر أسوان 5 أيام يخلص شغل مهم هناك.
باس دماغي وقاللي: «ارتاحي يا “نور”.. بلاش حركة كتير ولا تشيلي حاجة تقيلة. أمي وشهد هيخدوا بالهم منك.»
سعاد ابتسمت بطريقة تدب الرعب في العقل دلوقتي وقالتله: «في عينيا يا حبيبي.. دي نور دي بنت قلبي وهشيلها على رأس من فوق.»
شهد حتى عملت فيها الحنينة وجابتلي كوباية شاي.
بس أول ما عربية كريم بعدت عن الشارع، الوشوش كلها اتغيرت في ثانية.
سألتهم ببحوحة صوت: «هو الفطار جاهز؟».. وحسيت وقتها بنغزة خفيفة في بطني.
سعاد ضحكت ضحكة جافة تخرع: «فطار ايه يا روح أمك؟ هو أنا خدامتك؟ جوزك خلاص غار، بلاش تمثيل بقى.»
قلت في نفسي دي تقلبات مزاجية من بتوعها وما حبتش أرد ولا أعمل مشكلة.
بعدها بشوية، طلبت مني أدخل الأوضة اللي في أخر الجاردن عشان أجيب كرتونة كابوتشينو وملايات قديمة قالت إنها شايلاها من وهي صغيرة لعيلنا اللي جاي.
الأوضة كانت ضلمة، كركبة، وريحة رطوبة تخنق. دخلت بالراحة وبدأت أدور، بس ما كانش فيه أي حاجة.
ولسه بلف وشي راجعة.. الباب اترزع في وشي!
وسمعت صوت القفل بيتقفل بالمفتاح من برة.
جريت بعافيتي وخبطت: «يا طنط سعاد! يا شهد! أنا جوة! افتحوا الباب!»
سمعت ضحكة شهد المكتومة من ورا الباب: «عارفين إنك جوة يا نور.. مش متوهين عنك يعني.»
إيدي راحت على بطني لما حسيت بالبيبي بيلف ويزق بقوة: «انتوا بتعملوا ايه؟! افتحوا!»
سعاد قربت من الباب وقالت ببرود يدمي القلب: «شهد أخت جوزك مديونة بأكثر من 4 مليون جنيه.. قمار على أبلكيشنز، وقروض، وناس إيدها تقيلة ومش بترحَم. قدامها 3 أيام بالظبط. وانتِ عندك حتة أرض تساوي أكتر من 15 مليون.. فإحنا هنحل المشكلة دي جوة العيلة.»
دمي اتجمد في عروقي: «الأرض دي ورثي من أبوي وأمي!»
«كانت ورثهم.. دلوقتي بتاعتك، وانتِ مراتي ابني، يعني خيرك لعيلتنا. وبلاش أنانية.»
فهّموني بلكاعة إنهم مجهزين عقد بيع ابتدائي وتوكيل، وفيه محامي تبعهم هيخلص كل حاجة.. ناقص بس إمضتي.
رفضت بصوت بيترعش بس طالع من أعمق نقطة في قلبي.
هنا سعاد قالت الجملة اللي عمري ما تخيلت إن فيه جدة ممكن تقولها وهي تستنى حفيدها:
«خلاص، اقعدي جوة.. لما تجوعي وتدوقي المُر، هتعرفي إن الإمضاء أسهل بكتير من الموت.»
سمعت صوت خطواتهم وهي بتبعد.
بصيت للضلمة حواليا، وحطيت إيديا الاتنين على بطني.. وعرفت إنهم مش بيخوفوني.
دول كانوا مستعدين يستنوا لحد ما جسمي يستسلم ويموت.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *