لو عايزه تشوفي إبنك
الجزء الثاني
أول ليلة كانت طويلة ومابتخلصش. صح صحيح القاهرة مش زيك في الجبال، بس برودة شهر ديسمبر في التجمع كانت بتشق العظم، والأوضة ما كانش فيها أي تدفئة. كنت لابسة ترنج حمل خفيف، وكل نسيج هواء ساقع كان بيدخل بين ألواح الخشب يكتفني.
موبايلي ما كانش معايا، شهد سحبته من الصالة وكانت بتبعث منه رسائل لكريم وتترد عليه بدالي عشان تطمنه.
بالصدفة لقيت في جيبي 4 بونبونيات جنزبيل بتوع الحموضة.. قسّمتهم على أجزاء صغيرة عشان أضحك على معدتي اللي بتموت من الجوع.
تاني يوم الصبح، سعاد فتحت مواربة الباب حاجة بسيطة. ريحة شوربة الفراخ اللي طالعة خلاني أبكي من القهر.
«امضي وهتأكلي.»
«كلمي كريم يا طنط.. حرام عليكوا!»
«جوزك فاكرك نايمة ومرتاحة، شهد بتبعث له من تليفونك أول بأول.»
وشهد زادت عليها ببرود: «ولو فضلتي متعمشة كده، هنقوله إنك اتخانقتي معانا وسبتي البيت وركبتي دماغك ومشيتِ مع صاحبتك!»
في اليوم التاني بدأت أداني تظلم وأحس بدوخة شديدة. شفايفي اتشققت ولساني لزق في حنكي. ربنا ألهمني ولقيت أزازة مية قديمة مقفولة ورا صندوق العدة، بقيت أشرَب منها بالنقطة.. ما كنتش عارفة هقدر أصمد قد ايه.
كل كام ساعة ييجوا يعرضوا عليا الأكل مقابل الأرض. وكنت كل ما أضعف، أفتكر أبيا الله يرحمه وهو شغال سائق نقل 30 سنة، وأمي اللي كانت بتعمل أكل وتبيعه في الويك إند عشان تحوش قرشين. الأرض دي شقى عمرهم، إيديهم اللي اتشققت وشعرهم اللي شاب في الشمس.. مستحيل أسلمها لسيدتين استغلوا حملي وضعفي عشان يبتزوني.
صباح اليوم التالت.. بدأ الكابوس الحقيقي.
مغص شديد عصر بطني.. وبعده واحد تاني.. وتالت. وجع طلق مش عادي!
ضربت على الباب بكل قوتي: «يا طنط سعاد! أرجوكي! البيبي بيضيع!»
جوا ببرود. شهد قالت: «حجة جديدة دي ولا ايه؟»
وفجأة.. حسيت بمية دافية بتنزل على رجلي. المية نزلت!
«أنا بولد! اطلبوا الإسعاف بسرعة!»
سكون تام لمدة ثواني.. افتكرت إن الرحمة دخلت قلبهم وأخيراً هيفتحوا. بس سعاد ردت بصوت جاف: «امضي الأول.»
زقتلي من تحت الباب ظرف فيه أوراق وختامة: «بصمتك وإمضاءك هنا.. وبعدها نطلب 123.»
«ابن ابنك بيموت جوة!»
«يبقى ما تضيعيش وقت وامضي!»
في اللحظة دي فهمت إنهم فقدوا عقلهم تماماً. الرعب من الديون طير من دماغهم أي إنسانية. مسكت القلم وإيدي بتموت، ولسه بحطه على الورق.. جالي وجع رهيب وصرخت صرخة شقت السكوت.. ولما بصيت تحتي لقيت دم!
صرخت لحد ما صوتي اتقطع.
شهد رجعت لورا بخوف: «ماما.. شكلها بتتكلم جد المره دي!»
سعاد ردت بس التردد ظهر في صوتها لأول مرة: «بتأفور عشان تخوفنا..»
اتسحبت على الأرض لحد الباب ومسكت خشبة ثقيلة وجرّحت بيها الباب.. خبطة.. اتنين.. تلاتة.
وفجأة.. سمعت الصوت اللي كنت بدعي ربنا بيه!
صوت موتور عربية كريم بيلف في الشارع.. باب العربية اترزع.. خطوات جزار سريعة على الإنترلوك.. وصوت كريم وهو داخل من باب Villa:
«نور؟ نور حبيبتي أنتِ فين؟»
سعاد رمت الأوراق من إيدها، وشهد هبدت كلمة عيب تحت ضرسها.
جمعت أخر نفس فاضل في رئتي، وضربت الباب بالخشبة بكل ما فيا من قوة.
وبرة.. خطوات جوزي وقفت تماماً!
الجزء الثالث والأخير
«نور؟! الباب ده مقفول ليه؟!»
صوت كريم وهو بيجري في الممر كان زي طوق نجاة اترملي من السماء.
سمعت صوت سعاد وهي بتحاول تتدارك الموقف بسرعة وبنبرة تمثيلية متوترة: «كريم! يا حبيبي حمد الله على السلامة! إيه اللي جابك بدري كدة؟ أنت مش قايل راجع يوم الحد؟!»
شهد كملت بقلق مفضوح: «أيوه يا أبيه.. وبعدين نور مش جوة، نور اتخانقت معانا من يومين وجمعت حاجتها ومشيت عند صاحبتها، والأوضة دي مقفولة عشان شايلين فيها كركبة…»
جمعت كل الشغف والحياة اللي فاضلين في جسمي، وخبطت تاني بكل قوتي بالخشبة على الباب وصارخت بأعلى صوت طالع من بين دموعي ووجعي:
«كريم! أنا جوة! افتح يا كريم هتموتني هي وأختك! أنا بولد يا كريم!!»
السكوت ساد لثانية واحدة.. وبعدها سمعت صوت كريم وهو بيزعق بصوت هز جدران البيت:
«إيه العبط ده؟! أومال مين اللي بيصرخ جوة ده؟!»
سمعت صوت زق ومواجهة، وبعدها خطوات كريم وهي بتقرب من باب الأوضة بسرعة:
«نور! أنتِ جوة؟! بتعملوا إيه بالباب ده ومقفول بـ قفل ليه؟!»
سعاد صرخت: «يا كريم استنى يا ابني نفهمك! دي اتجننت وكانت عايزة تبيع أرضها وتضيع مستقبلك وأحنا…»
ما كملتش كلمتها. سمعت صوت رزعة مرعبة.. كريم ضرب الباب برجله بكل غله!
خبطة.. اتنين.. القفل اتكسر والخشب اتفلق نصين!
الباب اتفتح، والشمس دخلت الأوضة الضلمة. كريم دخل ومسكني قبل ما أقع على الأرض. لما شاف منظري.. هدومي المتبهدلة، وشي الأبيض زي الميتين، والدم اللي نازل على رجلي، عينيه جابت ألوان والزهول صدمه.
«نور! إيه ده؟! إيه اللي حصلك؟!»
شاورت بـ إيدي المترعشة على الأرض، على الظرف اللي فيه عقد البيع والختامة اللي سعاد رمتهم.
كريم مسك الورق، وقرأ العنوان: “عقد بيع ابتدائي لقطعة أرض…”.
بص لأمه وأخته بنظرة عمري ما شفتها في عينيه.. نظرة كره وصدمة قتلت كل مشاعر الابن والأخ جواها.
شهد بدأت تعيط وتصرخ: «يا أبيه والله بابا أصل الناس بتوع الأبليكيشن كانوا حابسينهم وهي معاها فلوس و…»
كريم ما استناش يسمع. شالني بين إيديه بسرعة وهو بيصرخ فيهم:
«لو جرالها حاجة أو الابن ده جراله حاجة.. قسماً بالله لأحبسكم بقية حياتكم! أقسم بالله ما هرحمكم!»
طلع بيجري بيا على العربية، وفي طريقنا للمستشفى كان بيمسك إيدي ويبكي زي الأطفال: «سامحيني يا نور.. أنا السبب، أنا اللي سبتك مع الكلاب دول!»
وصلنا مستشفى الشروق في لحظات.. الدكاترة أخدوني فوراً على أوضة العمليات. كانت ولادة قيصرية طارئة بسبب انفصال المبكر في المشيمة ونقص المية حولين الجنين.
بعد ساعتين صعبين جداً.. فتحت عيني.
لقيت كريم قاعد جنب السرير، ماسك إيدي ودموعه مغرقة وشة. أول ما فتحت عيني ابتسم بوجع وقاللي: «الحمد لله على سلامتك يا نور.. يوسف جه الدنيا بالسلامة، وهو في الحضانة تحت وبيتحسن.»
تنهدت بدفء وحسيت إن الروح ردت فيا تاني.
بس القصة ما خلصتش هنا.