سوزان

الشمس كانت لسة طالعة لما نزلت من الميكروباص قبال شالاهات العزبة في أرض اللواء. أربع سنين غربة في رومانيا، شغل في ورش حديد عز الصبح وبالليل، البرد كان بياكل في عضامي وأنا بأوفر القرش على نفسي عشان أبعت لأمي وأختي وسوزان مراتي. بعت أكتر من 2 مليون جنيه، على أمل إن سوزان عايشة هانم، وإن بيتي مقفول عليها معززة مكرمة.

أول ما وصلت الشارع، اتفاجئت. بيت أبوي القديم بقى عمارة 4 أدوار بباب فورفورجيه مذهب، وفي المدخل عربية بيك أب زيرو. بس فرحتي ما كملتش لما سمعت صوت هبة أختي طالع من الجراج الوراني وهي بتزعق:

“البتاعة دي اللي من غير شعر ما تطلعش فوق نهائي والضيوف موجودين! خبي شكلها ده!”

مشيت بشويش ناحية جنينة البيت الخلفية، وشوفت المنظر اللي هدني. سوزان قاعدة على ركبتها في الطين، جسمها بقى عبارة عن هيكل عظمي مستخبي جوه جلابية واسعة ومقطعة، وإيديها بتتجرح وهي بتلم أطباق صيني مكسورة. أول ما شافتني، ما جريتش عليا ولا حضنتني… دي اترمت لورا وضمت كاب صوف قديم على رأسها برعب.

قربت منها وأنا مش مصدق نفسي، وشيلت الكاب بشويش. قلبي اتخلع من مكانه. سوزان شعرها الأملس الطويل كله شال، مافيش شعرة واحدة في رأسها.

طلعت أمي من باب الأسانسير، لابسة عباية حرير من بتاعة الخليج، وذهب في إيديها يغطي دراعها، ووراها هبة ماسكة شنطة ماركة.

أمي قالتلي ببرود وهي بتقلّب عينها: “ما تعملناش شوشرة يا حازم. هي اللي جابت دا لنفسها، استخدمت تركيبات رخيصة لشعرها لحد ما وقع، وغير كده عاملة لي فيها إضراب عن الأكل عشان تلفت النظر.”

وهبة ضحكت بقلة أدب: “واحدة جننت، قاعدة تطفح من خيرك ومقضياها دراما!”

كنت هتهور وأمسك في رقبتهم، بس عيني جت على دراع سوزان. كم الجلابية اترفع شوية، وشوفت بلاستر طبي وتحتيه زرقان حيّل… علامة كانيولا بتاعة محاليل وشغل مستشفيات. في ثانية، العقل اشتغل. كل الفلوس والعقارات والبيت ده مكتوبين باسم أمي. لو اتجننت دلوقتي وواجهتهم، هيطردوا سوزان ويرموا الفلوس في البنوك وأنا مش هطول مليم أعالج بيه مراتي.

بلعت ناري، وفرضت ابتسامة كدابة على وشي وقيلت: “أنا نازل إجازة غريبة شوية… الشركة اللي شغال فيها عملت تصفية، وليا مكافأة نهاية خدمة ورثة وحسابات بـ 8 مليون جنيه. بس الشيرمان شرطه الوحيد عشان يحول المبلغ، إن أثبت إن عندي أصول وأملاك مسجلة باسمي هنا في مصر، عشان يضمن إن الفلوس هتدخل في استثمارات مش هتضيع.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *