لو مراتك
—لو مراتك بتحب العيلة دي بجد، مكنتش استغلت الحمل ده عشان تعيش دور الضحية!
مازن سمع الجملة دي أول ما فتح باب شقته في عين شمس، وهو راجع بجدتيه وغرقان في تراب اليوم بعد 13 ساعة شقا في مخزن شحن في العاشر من رمضان.
كانت الساعة داخلة على 11 بالليل، وكل اللي حلم بيه هو حمام دافي، ولقمة سخنة، وياخد مراته مريم في حضنه عشان يحس بحركة ابنهم. كان فاضل أقل من 5 أسابيع ويشرف “ياسين”، وكان مازن بيعد الأيام بالثانية زي اللي مستني طوق نجاة بعد طول تعب.
بس أول ما دخل، لقي الصالة يتقال عليها “مزبلة”.
كوبايات علب أكل فارغة على الترابيزة، أطباق زفرة على الكنب، وهدوم إخواته مرمية في كل حته كأن الشقة الساكنين فيها بقت بنسيون. أمه، الحجة كثرية، قاعدة قدام التلفزيون ومغطية رجليها ببطانية، وإخواته البنات، شيماء، ونهى، وداليا، نازلين ضحك مع بعض ومسكين الموبايلات.
حد قام استقبله؟ ولا الهوا.
حد عبره؟ ولا حتى كلمة “حمد الله على السلامة”.
حد فكر في مريم؟ ولا على بالهم.
— هي مريم فين؟ — سأل مازن وهو بيرمي شنطته على الأرض بحنكة.
شيماء حتى مبصتلوش:
— في المطبخ بتغسل الأطباق والمواعين اللي استخدمناها.. أمال هي قاعدة طول النهار تعمل إيه؟
نهى ضحكت ضحكة صفرا:
— يا عم مازن متكبرش الموضوع، دي حامل مش مكسورة يعني!
الحجة كوثرية وّطت صوت التلفزيون بزهق:
— مراتك حطت عليك يا مازن.. أنا خلفت 4 ومكنتش بعمل الهوليلة دي عشان شوية مواعين.
مازن جز على سنانه. طول عمره متعود يسكت لأمه، كان كل ما ييجي يفتح بقه أو يحط حد، تحط إيدها على قلبها وتفكروا إنها ربتهم أيتام وضحّت بشبابها عشانهم، وإن ابن الأصول ميبعش أمه.
ومازن، من كتر ذنبه، كان شايل الشيلة كلها:
* إيجار الشقة.
* فواتير النور والمياه.
* أقساط كارت المشتريات بتاع شيماء.
* مصاريف مدرسة ابن نهى الخاصة.
* علاج أمه.
* وحتى الموبايل الجديد بتاع داليا.
مريم عمرها ما اشتكت، بس مازن كان شايف اللمعة اللي انطفت في عينيها من يوم ما أمه بقت تيجيلهم كل يوم “عشان تساعدها”.
دخل المطبخ، وصوت المية الشغالة نزلت زي الثلج على قلبه.
مريم كانت واقفة قدام الحوض، حافية، وبطنها المنفوخة خابطة في رخامة الحوض. إيد في المية الصابون وإيد تانية ماسكة ضهرها من الوجع. شعرها لازق على وشها من العرق، وشفايفها متشققة وبتترعش.