دار مسنين
«لو اتكلمتي، هرميكي في دار مسنين محدش هيفتكر فيها اسمك!»
الست هدى ضغطت على المساحة البلاستيك بإيديها المعروقة والمفاصل المورمة. عندها 71 سنة، سكرها عالي وركبها متدمرة، بس الصبح ده كانت واقفة على كرسي خشب في عز الحر بتلمع زجاج بلكونة السفرة في شقة في التجمع الخامس. فطار البيت كله كان ريحته طالعة من المطبخ… إلا هي، ملهابش طبق.
عمارة العيلة كانت تجنن: رخام بيلمع، مدخل شكله شيك، وعربيات أحدث موديل. ابنها، «مصطفى»، بدأ من الصفر، كان بيسوق عربية نص نقل على طريق مصر اسكندرية الصحراوي، ولغاية ما ربنا فتحها عليه وبقى عنده شركة شحن كبيرة شغالة فيها مئات البيوت.
مصطفى كان بيموت في تراب رجلين أمه… أو ده اللي كان فاكره.
من يوم ما اتجوز «شيرين»، وحياته بقت كلها اجتماعات وسفر وتليفونات. شيرين كانت من النوع اللي قدام الناس تتكلم بصوت واطي، وتدعي وتقول «خدمة الكبار بركة ورزق».
— «حاجتي ومامتي الثانية».. كانت تقولها في عزومات العيلة وهي ماسكة إيد الست هدى.
ومصطفى عينيه تدمع ويقولها: «ربنا يخليكي ليا ولأمي يا حبيبتي».
بس أول ما باب الشقة يتقفل ومصطفى ينزل، شيرين تحول وشها:
— «سمعتي يا هدى؟ ابنك قال إيه؟ يالا اتحركي انجزي بدل ما أغير رأيي وأخليكي تقعدي في الشارع».
الست هدى كانت باعت شقتها القديمة في شبرا وجات تعيش مع ابنها بعد ما حلف عليها. بس شيرين حولت العيشة لسجن. سحبت منها التليفون بحجة «إنها بتنسى وبتدوس غلط»، وقفت أدوية السكر تحت العجز بحجة «خايفة تبلع جرعة زيادة»، وبقت ترميلها بواقي الأكل وتقولها «الدكتور قايل تخسيس عشان ركبك».
— «أنتِ لسة فيكي حيل.. مش بتموتي من قلة الأكل يعني!»
الست هدى كانت بتسكت. كانت كسوفة وتخاف تشتكي لابنها ليفتكر إنها بغير من مراته، وشيرين كانت تلعب على الوتر ده:
— «ابنك دماغه طايرة في الشغل، مش فاضي لدستة دراما منك.. ولو خيرتيه بيني وبينك، يا حلوة أنتِ اللي هتطلعي برة».
الوحيدة اللي لاحظت كل ده كانت «نعمة»، جارتهم في العمارة اللي قصادهم. ست بسيطة عندها 55 سنة، بتعمل أكل بيتي وتبيعه. نعمة عارفة الست هدى من أيام ما كانت ساكنة في شبرا. من شباكها كانت بتشوف الست هدى شايلة جادل المية، بتكنس البلكونات في الشمس، وشيرين نازلة متجهزة ورايحة النادي.