الجن
الجزء الأول
“وقعي وإلا هنسيبك هنا لحد ما النهار يطلع.”
دي كانت أخر كلمة سمعتها مراتي من أُمها، قبل ما يسحبوها حافية في التلج والدنيا برد تنخر في العضم، فستانها الأزرق المتقطع وغرقانة في دمها.
لقيتها الساعة 3:17 الصبح، ورا مزرعة عيلة “الألفي” القديمة، قريب من منطقة جبلية مقطوعة. “مريم” كانت مرمية على الأرض المنشعة بتترعش ومش قادرة تنطق، عينها متورمة وخدها عليه علامة حمرة ناطقة… نفس شكل الخاتم التقيل اللي أُمها ما بتخلعوش من إيدها في كل عزومة.
نزلت على ركبي جنبها وحسيت إن الدنيا بتتسحب من تحت رجلي.
“حسن…” همست وهي بالعافية بفتح شفايفها: “ما تخليش أُمي تاخد بيتي.”
بقالنا 4 سنين متجوزين، ومريم فاكراني مجرد مهندس لوجستيات ويا دوب على قد حالي، راجل هادي وبيحب يبعد عن المشاكل، بيدفع الفواتير في أوانها وبيعمل القهوة صباح يوم الجمعة. ده اللي هي كانت حابة أهالها يشوفوه.
أما بالنسبة لـ “سعاد هانم” أُمها، فكنت بالنسبة لها مجرد ولا حاجة، جوز بنتها الكبيرة اللي مالوش كلمة ولا عزوة ولا معارف في النيابة. وأختها الصغيرة “شهد” كانت بتناديني “المقاول الغلبان”، عشان شافتي مرة بعرف أوزع الشغل في مخزن بضاعة.
بس ولا واحدة فيهم كانت تعرف اسمي التاني.
“الجن”
الاسم اللي كان بيتهز ليه أعتى حيتان الموانئ، والجمارك، والمكاتب المقفولة… اسم بيتقال بصوت واطي، عشان لو اتقال بصوت عالي بيفتح أبواب جهنم على اللي ينطقه.
في الليلة دي، سعاد هانم استدرجت مريم للمزرعة بحجة إنهم هيراجعوا أوراق ورث أَبُوها “الحاج إبراهيم الألفي”، اللي توفى من 9 أيام بس. الحاج إبراهيم كان كاتب لمريم البيت الكبير، و30 فدان أرض، و7 فيلات مصيفية، وأغلب أسهم الشركة اللي على الجبل.
أُمها شافته ظلم.
“أبوكي كان مخرف،” قالتها وهي بترمي الملف على الطاولة. “أنا ما أقبلش الضحك ده. شهد حيلتها عيلين، وأنتي متجوزة واحد شغال بالأجرة. وقعي على التنازل وبلاش غباوة.”
مريم ما صرختش، مسكت الورق ورجعته مكانو وهدية جداً: “أبويا كان عارف هو بيعمل إيه كويس.”
أنا المفروض كنت مسافر لراسين شغل في الإسكندرية. سعاد افتكرت إن مريم لوحدها ومالهاش ظهر.
شهد كانت أول واحدة تمد إيدها وتضربها، وبعدها أُمها نزلت عليها بالملف الجلد. بعدها قفلوا كاميرات الممر، ومسكوها من دراعاتها وسحلوها من باب الخدمة لبره، والمحامي المأجور اللي معاهم كان باصص الناحية التانية وقابض ثمن سكوته.