انتي فين
«أنتِ فين؟ العيال جعانين والسفرة حتى محدش لمّها!» — اختي زقت الكلام في وشي يوم عيد ميلادي، وكأن الطبيخ والتنظيف وتربية عيالها بقوا رسمي شغلتي. لشهور طويلة كنت بفوت عشان أشتري دماغي وأعدي الموال. بس الليلة دي ما تناقشتش وما جريتش على البيت… خلصت عشاي، قلبت التليفون على وشه، وحضّرت حاجة اختي عمرها ما تخيلت تشوفها على الترابيزة…
— «أنتِ فين يا زفتة؟ العيال يموتوا من الجوع؟ والسفرة زي ما هي مليانة أطباق وسخة!»
صوت «فاطمة» انفجر في التليفون في نفس اللحظة اللي الويتر بيحط فيها قدام «مريم» طبق العشا الطالع منه البخار، ومعاه حتة تورتة صغيرة طالع منها شمعة بتنور.
كان عيد ميلادها الـ29.
واختها حتى ما افتكرتش تقولها كل سنة وأنتِ طيبة.
ردت مريم بهدوء:
— «بتعشى.»
— «بتتعشي؟ في الوقت ده؟ «ياسين» بقاله ساعة بيلف حوالين نفسه وبيسأل هيأكل إيه!»
مريم بصت للشمعة اللي بتطفي بالبطء.
كانت طالعة من مكتبها في «التجمع» من ساعتين بقرار واحد بس: الليلة دي مش هتشيل شيلة حد.
— «خلاص، اعمليله أي حاجة يا فاطمة.»
سكتت اختها ثواني من الصدمة.
— «أفندم؟»
— «بقولك دول عيالك، يعني اعمليلهم أكل.»
صوت نفس فاطمة تقِل على الناحية التانية.
— «أنتِ عارفة كويس الظروف اللي بمر بيها.»
— «عارفة.»
— «أنا بتطلق، ولا حيلتي شغلانة عدلة ولا زفت، ومقشورة مع 3 عيال طول النهار!»
— «وأنا بطفح الكوتة 10 ساعات في الشغل، وبدفع إيجار الشقة دي، وبقالي شهور شايلة شيلة مش شيلتي.»
فاطمة ضحكت بقلة حوقة.
— «يا سلام! طبعاً، ما أنتِ عشان سينجل ومش حاسة بالمسؤولية، الكلام عندك بيبقى سهل.»
الكلمة دي كانت بتطارد مريم بقالها شهور بأشكال مختلفة:
* أنتِ معندكيش عيال.
* أنتِ قبضك حلو وبيجيب.
* أنتِ قاعدتك في شقة واسعة لوحدك.
* أنتِ فاضية.
وكأن عشان هي مش متجوزة وما عندهاش عيال، يبقى وقتها وفلوسها وحياتها مستباحين للكل.
— «النهاردة عيد ميلادي يا فاطمة.»
الخط سكت تاماً لثواني.
أخيراً فاطمة ردت ببرود:
— «طب كل سنة وأنتِ طيبة. انبسطي بقى بالعشا والعيال هنا بطنها بتطحن من الجوع.»
وقفلت السكة في وشها.
قلبت مريم التليفون على وشه. ولأول مرة من 5 شهور، ما قامتش تتنطط وتجري.
الحكاية بدأت لما فاطمة اتطلقت من «عصام». عندها 34 سنة، 3 عيال، وما معهاش قرشين على جنب. لما صاحب شقتها القديمة في «فيصل» طردها، أبوهما وأمهما عملوا اجتماع عائلي عاجل في بيت مريم.