المحكمه
شاب عنده ٢٩ سنة، سينجل، قاعد قدام محكمة الأسرة في مجمع محاكم الجيزة. لا معاه جبل فلوس ولا عايش في villa في التجمع، بس قدامه ٥ أطفال أكبرهم ما كملش ٧ سنين، ماسكين في بعض على الدكة البلاستيك خايفين يتفرقوا.
خلال ساعة، القاضي كان ممكن يوزعهم على ٥ بيوت مختلفة، في المحلة، وفي الشرقية، وفي الفيوم. من ٣ أسابيع، ولاد الحلال عرضوا حالتهم على سيستم الرعاية بعد ما أهاليهم اتوفوا في حادثة على طريق إسكندرية الصحراوي. “كريم” ما كانش يعرفهم، بس صورتهم وهم ماسكين في بعض ما فارقتش خياله.
بتوع الشؤون الاجتماعية قالوا له: “يا كريم انت شاب لوحدك.. مش هتقدر على مصاريف ومسؤولية ٥ عيال صغار”. وكانوا خلاص مجهزين ٣ بيوت تكفلهم متفرقين. بس فكرة إن العيال تترمي في ٣ عربيات مختلفة وهم بيبكوا خلت قلبه يتأصر.
سحب كل قرش حيله في البنك، وباع حتة أرض صغيرة ورثها في شبين الكوم، وجهز شقته في المقطم بسراير أدوار، وأجر محامي.
وقدام المستشار رفعت، محامي الشؤون وقف وقال: “الشاب ده مش مقدر الحجم، ده تصرف عاطفي وغير عملي”. وكريم واقف خايف والمرعوب، عارف إن الكلام صح وإنه داخل على المجهول.
القاضي بص له بتمعن وسأله: “إيه اللي يخلي شاب في سنك يضحي بفلوسه وحريته ومستقبله عشان ٥ عيال ما يعرفهمش؟”
المحكمة سكتت خالص.. كريم بص للولد الكبير، عنده ٧ سنين، عمال يمسح دموع أخته الصغيرة بكسرة نفس. كريم اتنفس وقال للقاضي السر اللي ما كتبوش في أوراق الكفالة:
“يا سيادة القاضي، من ٢٠ سنة.. أنا وإخواتي الأربعة وقفنا نفس الوقفة دي في نفس المحكمة بعد ما أهلي ماتوا. اتفرقنا في ٣ محافظات، وما شفتش إخواتي تاني لحد النهاردة ولا اعرف طريقهم. أنا مش جاي أربيهم، أنا جاي أحميهم من الوجع اللي عشته.. مش هسمح لشمل إخوات يتكسر تاني قدامي.”
المستشار رفعت قلع النظارة، ومسح دموعه، وهز رأسه، وضغط على الميكروفون وقال: “تم منح الكفالة الكاملة لكريم.. ربنا يقويك يا بني.”
خرج كريم من محكمة الجيزة ومعه الـ ٥ أطفال، ماسكين في إيد بعض وفي هدومه كأنهم مصدقوا إنهم هيفضلوا سوا. أول ما وصلوا الشقة في المقطم، العيال كانوا خايفين يمشوا على السجاد، والمكان بالنسبة لهم جديد ومرعب.
أكبرهم “ياسين” – اللي عنده ٧ سنين – مسك إيد كريم وقال له بصوت واطي: “هو احنا هنمشي من هنا أمتى؟” كريم نزل لمستواه وقال له: “مافيش مشيان.. البيت ده بيتكم، ومحدش في الدنيا يقدر يفرقكم تاني.”