ملاين
وقف يحيى عند طرف السرير، فضل ساكت كام ثانية وهو شايفني بالمنظر ده: الأجهزة محوطاني، وجهي أصفر، وجسمي خاسس للنص.
مريم مراته مسكت إيده بشويش، ويوسف حفيذي وقف وراهم، عينيه رايحة جاية بيني وبين كيس المغذي المعلق.
— يحيى… — الصوت طلع مني مكسور ومخنوق، كنت بحاول أمد إيدي ناحيته بس دراعي كان تقيل ومش قادر أرفعه.
قرب مني خطوة واحدة، وبص في التقرير الطبي اللي كان متعلق على طرف السرير، وبعدين بص لي وقال بصوت هادي أوي، هدوء يوجع أكتر من الزعيق:
— أنا ما جيتش عشان أسمع اعتذار، ولا جيت عشان أقولك إني نسيت.
الكلام نزل عليا زي المية التلج. كمل وهو بيبص لي في عيني مباشرة:
— دكتور الفحوصات اتصل بيا من أسبوعين… طه لما رفض يعمل التحاليل، الممرضة اللي كانت شغال هناك عارفة قصتنا وشغالة مع ناس قرايبنا، بلغتني إنك بتموت وإن مفيش أي متبرع في القائمة.
غمضت عيني بوجع. كنت فاكر إنه جه يسندني، لكن حسيت إن الذنب بيخنقني أكتر.
— أنت جيت ليه يا يحيى؟ عشان تتفرج عليا وأنا بحصد اللي زرعته؟
يحيى بص لإبنه يوسف، وبعدين رجع بص لي وقال:
— جيت عشان أمي. عشان هي لما ماتت، وصتني ما أسيبكش لو احتجتني… وجيت عشان أوري يوسف إن الراجل ما بيتخليش عن دمه، حتى لو الدم ده ظلم وقسى.
مريم قربت وفتحت شنطتها، وطلعت منها ملف أوراق وتحاليل حطتها على الترابيزة اللي جنبي.
— يحيى يعمل التحاليل من أسبوع في معمل بره يا عمي — مريم هي اللي اتكلمت بصوت واطي بس ثابت — والنتيجة طلعت إمبارح… النسيج متوافق.
دموعي نزلت من غير ما أقدر أوقفها. طه اللي اديته كل الملايين والفلوس والعلاقات، سابني ومشي وهو خايف على مستقبله في المجلس، ويحيى اللي طردته وكسرت آلاته وهنته قدام مراته، جاي يديني حتة من جسمه عشان أعيش.
— أنا هدخل العمليات معاك يا بابا — يحيى قالها وهو بيميل عليا — بس بشرط واحد…
— الشرط ده مش عشان أذلّك ولا عشان أستغل ضعفك — كمل يحيى بصوت ثابت وعينيه فيها وجع السنين — الشرط إن لما نطلع من العملية دي على خير، الفلوس والممتلكات والمكتب اللي حرقنا بعض عشانهم، تنسى وجودهم تماماً. مش عايز منك جنيه واحد، ولا عايز يوسف ياخد مليم من فلوسك. أنا عايزك تبيع كل حاجة وتتبرع بيهم للفقراء وللشباب اللي أهاليهم بيحبطوهم عشان مش عارفين يمشوا على هواهم… تكسر السلسلة دي يا بابا، وتفهم إن القيمة عمرها ما كانت بالورق ولا بالمناصب.
كنت ببص له والدموع حارقة وشي، هزيت رأسي بالموافقة من غير ما أتردد لحظة:
— موافق يا يحيى… موافق يا ابني، بس سامحني… سامحني على كل يوم خليتك تحس فيه إنك قليل.
قرب مني ومسك إيدي لأول مرة من 16 سنة، ضغطة إيده كانت دافية، وفيها حسيت إن الروح بترجع لي قبل ما ندخل غرفة العمليات أصلاً.
بعد 3 أيام، كنا الاتنين بنتجهز للدخول. وفي نفس اليوم الصبح، باب الأوضة اتفتح ودخل طه. كان باين عليه التوتر، معاه شنطة هدايا كبيـرة ورسمة الابتسامة الباهتة بتاعة سياسيين التليفزيون على وشه.
— صباح الخير يا بابا… طمنوني عليك، أنا عرفت إنك لقيت متبرع وجيت على طول عشان…
وفجأة عينيه جت على يحيى اللي كان قاعد على الكرسي بملابس العمليات. طه اتسمر مكانه، والابتسامة اختفت تماماً.
— يحيى؟! أنت بتعمل ايه هنا؟
يحيى ما قامش من مكانه، بص له بكل هدوء وقال:
— بعمل اللي أنت خفت تعمله يا سيادة النائب. جاي أدي لأبويا حتة من كبدي عشان يعيش.
طه وشه جاب ألوان، وبص لي وهو بيحاول يبرر موقف المرة اللي فاتت:
— يا بابا أنت فاهم صح؟ أنا بس كان عندي جلسات مهمة في المجلس وما كنتش ينفع أتعطل، وكنت ناوي أرجع لك بس…
قطعت كلامه بصوت ضعيف بس حاسم أوي:
— اطلع بره يا طه.
— يا بابا اسمعني بس…
— اطلع بره بيتي… أقصد بره أوضتي، وما توريناش وشك تاني. الفلوس والعلاقات اللي أنت خايف عليها ومستقبلك المزعوم، خدهم وشبع بيهم. بس اسمي ومكاني في حياتي، أنت بعتهم بـ “خوفة” على صحتك… يحيى هو اللي باقي لي.
طه بص للممرضين وبص للجميع وهو حاسس بالإهانة والفضيلة اللي طارت من تحت رجليه، لف وشه وخرج يجري من الأوضة، ومن يومها ما شفتش وشه تاني ولا حاول يتصل.
ساعتين وبعدها اتنقلنا لغرفة العمليات. لما غبت عن الوعي تحت تأثير البنج، كانت آخر حاجة فاكرها هي صورة يحيى وهو بيدخل الأوضة اللي جنبي، ويوسف حفيذي واقف بره بيشاور لي بابتسامة صغيرة.
العملية نجحت.
عدت الشهور، وصحتي بدأت ترجع لي تدريجياً. أول حاجة عملتها بعد ما قمت على رجلي، إني طلبت المحامي زميلي القديم، وبعت كل حاجة ملكي: الشقة الكبيرة في الزمالك، ومكتبي في جاردن سيتي، والأراضي اللي كنت جاري وراها العمر كله. أسست مؤسسة خيرية صغيرة في السيدة زينب — نفس الحارة اللي اتولدت فيها — لرعاية الأطفال الموهوبين في الفنون والموسيقى والتعليم، وصرفت باقي الفلوس على مستشفيات علاج الكبد بالمجان.
دلوقتي، أنا ساكن في شقة صغيرة بالإيجار جنب بيت يحيى ومريم في شبرا. كل يوم الصبح، بيجي يوسف حفيذي يتغدى معايا ويزاكر جنبي. ويحيى بياخدني معاه بالليل الورشة الصغيرة اللي فتحها لتعليم وتصنيع الآلات الموسيقية.
بقعد على كرسي قش في طرف الورشة، أسمع يحيى وهو بيعزف على الفيولينة بتاعته، والألحان طالعة منها مالية المكان دفء وحنان.
بقالي 73 سنة على الأرض، بس أقدر أقول إن حياتي الحقيقية… ابتدت بس لما خسرت كل ثروتي، وكسبت إبني.