ملاين
اديت ملايين واسمي لابني اللي طول عمره هو المفضل بالنسبة لي؛ ولما احتجت عملية زراعة كبد، رفض حتى يعمل مجرد تحليل، وفي الوقت ده، رجع الابن اللي أنا طردته بايدي.
ابني اللي اديته ملايين وعلاقاتي واسمي، بصلّي من باب الأوضة في المستشفى وقال إنه يفضل يشوفني بموت ولا إنه يغامر بحتة من كبده علشاني.
— يا بابا بلاش دراما، أنا عضو مجلس نواب وليا مستقبلي، مش هعرض صحتي للخطر عشان أنت تعبان.
ومراته ليلى كملت كلامها وهي رافعة رأسها من غير كسوف:
— وبعدين أنت أديت لطه فلوس كتير أوي، مش معقول يجي دلوقتي يدفع التمن من حتة من جسمه.
حسيت بالمرضات في الطاهر بيفتفتوا وبيبصوا علينا. وأنا عندي 72 سنة، وبعد ما كنت من أكبر المحامين بتوع الشركات في القاهرة، عمري ما حسيت إني صغير وقليل أوي كده.
والأوجع من كل ده، إن في حتة جوايا كانت عارفة إن أنا اللي بنيت الراجل ده بإيدي.
أنا اتولدت في حارة فقيرة في السيدة زينب. أمي ماتت وأنا بتولد، وأبويا كان بيبيع خضار في السوق عشان يدفع لي مصاريف المدرسة. لما كنت في تانية حقوق، هو مات بعد سنين كان بيكتم فيها وجعه ويكابر، عشان كل جنيه يقدر يشيله يخليه لتعليمي.
الفقر ده تحول لعقدتي وهوسي.
اشتغلت أشيل أقفاص، وأمسح مكاتب، وأدي دروس خصوصية لحد ما خلصت الكلية. وبعدها دخلت مكتب محاماة كبير، اتخصصت في قضايا الشركات، ومع السنين فتحت عنبري ومكتبي الخاص. تحولت من واحد بيستلف ثمن أكل يومه لواحد بياكل ويقعد مع رؤساء البنوك ورجال الأعمال.
اتجوزت حنان، الست الوحيدة اللي عرفتني وأنا لسه بلبس نفس البدلة المترقعة عشان أروح بيها المحاضرات. خلفنا ولدين: طه ويحيى.
طه، الكبير، كان متفصل على مقاسي. دايماً بيجيب امتياز، دخل علوم سياسية، وكان بيقول إنه عايز يدخل المعترك السياسي ويبقى حاجة كبيرة.
يحيى كان حاجة تانية خالص.
من وهو عنده 15 سنة، كان عايش والفيولينة أو الجيتار في إيده.
— هو أنت تاني مع البتاع ده؟ — زعقت له في ليلة — أنت عندك امتحان بكرة.
— أنا ذاكرت خلاص يا بابا.
— جايب 80% ده مش مذاكرة! أخوك بيجيب 95%.
— أنا مش طه.
الجملة دي عصبتني أكتر من اللزوم.
أنا شفت الجوع والإهانة والفقر، وكنت فاكر إن الطريقة الوحيدة اللي أحمي بيها ولادي هي إني أجبرهم ينجحوا بنفس الطريقة اللي أنا شايفها نجاح.
— طول ما أنت عايش في بيتي، هتسمع كلامي وتعمل اللي أقوله.
يحيى حاول يفهمني إنه عايز يدرس موسيقى، يعزف مع فرقة، أو يعمل هندسة صوت. أنا ما كنتش سامع غير كلمة واحدة: “فشل”.
وصلت بي الدرجة إني كسرت له آلة الموسيقى بتاعته. منعته من الخروج. بقيت أقارن بينه وبين أخوه قدام القرايب. وفي عز عزومة عيلة في العيد، قلت قدام الكل:
— واحد من ولادي هيوصل لبعيد، والتاني لسه مش عارف إذا كان عايز يكبر أصلاً ولا لأ.
يحيى قام من على السفيرة وعينيه مليانة دموع. حنان مشيت ورايا المكتب.
— أنت بتهد ابنك يا سامح!
— أنا بحميه عشان ما يهدش نفسه.
— لأ، أنت بتحاول تخليه نسخة منك بالعافية.
ما سمعتش كلامها.
لما يحيى خلص الثانوية، جاب مجموع ودخل كلية تربية موسيقية في حلوان. أنا كنت عايزه يسافر يدرس إدارة أصلية بره.
— سيب الكلية دي وإجهز عشان تعيد السنة — أمرته.
— لأ.
— يبقى تسيب العزف ده وتدرس حاجة ليها قيمة.
— برضه لأ.
الخناقة انتهت بأبشع جملة طلعت من بؤي في حياتي:
— لو هتعيش وتفضحنا وتصغرنا، اطلع بره بيتي وما ترجعش تاني.
يحيى بص لي بضع ثواني وقال:
— أنت ده اللي عايزه صح؟ ابن يطيعك وخلاص، مش ابن يفكر.
شال شنطته ومشي.
حنان بكت أسابيع.
بعد 5 سنين، رجع ومعه بنت حلال حامل اسمها مريم. كانوا شغالين مع بعض في مصنع غزل ونسيج في شبرا الخيمة وعايزين يتجوزوا.
بدل ما أضمه وآخده في حضني، بصيت على لبسها البسيط وقلت:
— هو أنت سِبت كل حاجة عشان التوافه دي؟
مريم وّطت رأسها.
يحيى قفل إيده بغل:
— أنا جيت بس عشان أعرفكم على الإنسانة اللي اخترتها.
— لو عايز بركتي، ارجع ادرس وسيب العيشة النازلة دي.
حنان اترجتني أسكت.
بس أنا كملت:
— وأنتِ يا شابة، فكري كويس.. تربية عيل مع راجل مالوش مستقبل مش سهلة.
يحيى وقف:
— أنا مش هاجي هنا تاني.
— أحسن برضه.
شفته طالع مع مريم، وكان عندي قسوة إني أرزع الباب وراهم.
عدت 9 سنين.
حنان تعبت أوي. وقبل ما تموت طلبت مني طلب واحد:
— دور على يحيى يا سامح.
عملت كده.
جاء المستشفى مع مريم ومعاه ولد عنده 9 سنين، حفيذي يوسف. حضن أمه، وبكى معاها، وفضل جنب سريرها لحد ما غمضت عينها للآخر.
كنت عايز أكلمه بعد الجنازة.. بس الكبرياء والغرور غلبوني.
ما نطقتش بكلمة.
بعد 7 سنين، نفس الكبرياء ده كان راميني على سرير في مستشفى بالقصر العيني، بتليف حاد في الكبد ومن غير متبرع.
طه كان لسه طالع من الأوضة بعد ما رفض حتى يعمل تحاليل التوافق.
لما مشي، افتكرت إني هموت من غير ما أشوف ابني الصغير تاني.
بعد أسبوعين، باب الأوضة اتفتح.
يحيى دخل.
ووراه مريم، وشاب صغير بيبص لي وكأنه بيحاول يقرر إذا كنت أستاهل يتقال لي “يا جدو” ولا لأ.