مايه
الجزء الأول
”—هاتي لي مية يا بليدة! ولما تخلصي، اكنسي الأرض.. أنا ومراتي عايزين نقعد لوحدنا”، كده أمرني جوزي وهو حاطط إيده وسط دراع أختي داليا على السرير اللي أبويا الله يرحمه كان جايبه لي هدية قبل ما يموت.
اللي وجعني مش إني شفتهم مع بعض.. اللي وجع بجد إنهم صاروا عاملين الحكاية دي قدام عيني تلات سنين بحالهم، ومتاكدين إن مخي البايظ ده عمره ما هيفهم حاجة أبداً.
أنا اسمي فريدة المنشاوي، عندي اتنين وتلاتين سنة، والوارثة الوحيدة للحاج إبراهيم المنشاوي، مؤسس واحدة من أكبر شركات المقاولات والعقارات في مصر.
قبل الحادثة، كنت أنا اللي ماسكة المشاريع، وبعمل الصفقات الكبيرة، وفاهمة كل طوبة في الشركة. لكن من بعد ما وقعت في بحيرة قارون بالفيوم، ذاكرتي ضاعت خالص. ساعات أعرف الناس، وساعات حتى سني ما أفتكرهوش.
جوزي، طارق الصفتي، استغل الكارثة دي عشان يظهر قدام العيلة كلها على أنه “الولي الصالح” اللي مستحمل مراته العيانية.
ومحدش كان يعرف إيه اللي بيحصل جوه قصرنا في الشيخ زايد أول ما الباب يتقفل.
بعد ظهر اليوم ده، كان طارق نام جنب داليا، بنت مرات أبوي اللي جت معاها لما اتجوزت أبويا.
وداليا كانت لابسة روب الحرير بتاعي.
—يلا بسرعة يا فريدة —قالت لي وهي بترمي في وشي فنجان فاضي— لو سمعتي الكلام وبقيتي شطورة، هندي حتة تورتة بعدين.
وطيت راسي للأرض ولميت الكاسات اللي سابوها جنب السرير.
واحد منهم اتزحلق من إيدي.
الازاز اتهشم على الرخام.
قام طارق عصبي وشايط:
—مش فالحية في أي حاجة عدلة!
وزقني بقوة لدرجة إني وقعت على ظهري، وراسي خبطت في حرف السلم الرخام.
حسيت بوجع فظيع بيقطع في دماغي.
ومن وسط الطنين اللي كان في وداني، بدأت تظهر ذكريات صار لي تلات سنين بحاول أفتكرها ومش عارفة:
أبويا وهو بيضحك لي يوم ما كملت تمانتاشر سنة.
جدي وهو بيعلمني إزاي أراجع الحسابات والميزانيات.
فرحي أنا وطارق.
ويوم على شط بحيرة قارون، لما شفت جوزي وهو بيبوس داليا.
وهناك، افتكرت كمان إيديه الاتنين وهما بيزقوني جوه المية بقوة.
كنت عايزة أصرخ، بس فضلت ثابتة مكاني متجمدة.
فيه حاجة غريبة اتغيرت جوايا.. الذكريات رجعت واضحة وضوح الشمس لدرجة رعبتني. بقيت فاهمة أنا فين، ومين الناس دي، وليه لازم أمثل إني لسه غائبة عن الوعي ومحطمة.