ثواني

ورغم كل ده، أول ما أعلنت إن شركة استشارات كبيرة في التجمع الخامس كلموها، دموعي نزلت من الفرحة. نزلت جبت كيلو كباب وكفتة، وتورتة مانجو، وساقع.. قلت أخيرًا شقايا جاب فايدة والبيت هيتنفس.
عشان كده ضربة المريلة دي نزلت عليا زي قلم على وشي.
— أسيب شغلي؟ — سألت وأنا مش مصدقة وداني.
— أختك هتقبض ضعف ماهيتك مرتين — أمي ردت بكل برود — ملوش لازمة الشحططة في الميكروباصات بقى. أنا كبرت ورجلي وجعاني، وعاوزة حد يشيل البيت.
— أنتِ عندك 48 سنة وصحتك زي الفل يا أمي!
— متعلّيش صوتك عليا! أنا شفت المر عشان أربيكم!
بصيت لشهد، مستنية منها كلمة، رد جميل، أي حاجة من الريحة القديمة.. مسكت الشوكة وقلبت الرز وقالت ببرود:
— يعني.. لو فكرتي فيها يا مريم، كلام ماما منطقي. حد لازم ينظم البيت ويرعى الدنيا.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
— أنا مسبتش تعليمي عشان أتحول لخدامة عند حد!
أمي رميت الفوطة في وشي:
— قلة أدب! ده بدل ما تطمري فيكي اللقمة؟ بعد كل اللي عملته عشانك وانتِ صغيرة!
مسكت نفسي بالعافية عشان مأعيطش من القهرة. ليلتها غسلت المواعين، حطيت المريلة في شنطة، وقفلت على نفسي بالترباس. أسبوع كامل وأمي مستنية شهد تنزل عشان تسمعني نفس الأسطوانة: “أنتِ أنانية.. ماهيتك ملهاش لازمة دلوقتي.. أنا عاوزة أرتاح”. وشهد جهزت شنطتها وقالت إنها طالعة الساحل مع أصحابها كام يوم قبل ما تبدأ الشغل الجديد.
اليوم اللي شهد مشيت فيه، أنا كمان لميت دنيتي. حطيت هدومي، شهادات الكورسات، وصورة أโบ الله يرحمه في شنطة ظهر. مسبتش ولا ورقة. صاحبتي ندى فتحتلي باب شقتها في الفسقاط وقالتلي: “البيت بيتك”.
الساعة 11:42 بالليل، وأنا جسمي لسه بيتراعد من الصدمة، جالي إيميل من شهد، العنوان: “محدش يدور عليا”.
فتحت الإيميل، أول سطر طير العقل من رأسي: “أنا ضحكت عليكم.. أ.
— خلاص بقى يا مريم، سيبك من مرمطة الشركات دي واقعدي انضفي البيت واخدمينا زي ما المفروض يحصل — قالتها بصوت عالٍ ولا فارق معاها.
شهد أختي ابتسمت من تحت لضرسها وكأن الكلام مش موجه ليها، وأنا متنحة للمريلة المتطبقة جنب كوباية المية. دي مش هزارة، ولا كلمة وطارت في الهوا.. أمي لسه حالا مدياني مقامي الجديد في العيلة، وقدام الأكل اللي أنا دافعة ثمنه من جيبي عشان نحتفل بنجاح أختي!