رميت امي

رميت أمي برة البيت… ست عاشت عماد حياتها جعانة عشان أنا أكل، وخرجتها من حياتي لمجرد إني كسفت أقول لخطيبتي إن دي أمي. بعد سنين، اكتشفت إن الست العجوزة المريضة دي انتهى بيها الحال بتشحت فكة في الشوارع عشان تعيش، في الوقت اللي كنت بقيم فيه فرحي وبقول للناس كلها إنها ماتت. ولما أخيرًا لقيتها وجبتها معايا البيت، مراتي بصتلها بقرف وصرخت في وشي: “الست دي مش هتعتب هنا!”…

الجزء الأول

— قولهم إن أمك ماتت.. عشان توفر على نفسك كسفتك قدامها.

الورقة دي سابتهالي أمي متطبقة على الترابيزة الصبح يوم ما اختفت من حياتي.

أنا اسمي أحمد.. وعلى مدار سنين طويلة حاولت أقنع نفسي إن اللي عملته وأنا عندي عشرين سنة كان مجرد طيش شباب. بس الحقيقة غير كده.. في قرارات مابتبقاش مجرد أخطاء، دي بتبقى جروح بنعلم بيها في أقرب الناس لينا ونحنا عارفين كويس هي بتوجع قد إيه.

أبويا اتوفى وأنا عندي ست سنين.. ومن يومها وأمي “خديجة” بقت هي كل دنيتي.

كانت شغالة في مخبز وحلواني في العتبة.. تخرج من البيت قبل الفجر، وترجع وأنا قاعد بعمل الواجب. كان دايماً ريحة إيديها فانيليا وزبدة وصابون رخيص. لما الفلوس كانت بتقصر معانا، كانت تحطلي رغيفين حواوشي أو آخر حتة كيكة وتقولي:

— أنا أكلت في الشغل يا أحمد، ألف هنا وشفا يا حبيبي.

بعد سنين فهمت إن كل ده كان كذب.. أمي كانت بتبات بقلب فاضي وجعانة عشان أنا مانامش ومشبعتش.

عمرها ما فكرت تتجوز تاني.. جه ناس كتير يطلبوها، وفي مرة واحد شرط عليها شرط واحد: إنه ياخدها بس يسيبني أنا عند جدي وجدتي في الصعيد.

أمي طردته من البيت في نفس اللحظة وقالتله:

— الراجل اللي يطلب مني أرمي ابني مايعرفش يعني إيه حب أصلاً.. اطلع برة!

لما المخبز قفل، كانت الروماتيزم أكلت صوابعها.. كانت بتصحى الصبح مش قادرة حتى تمسك كوباية الشاي.

كنت وقتها في ثانوي وبشتغل بعد الظهر أشيل كراتين في سوق التوفيقية.. أجمع القرشين عشان أشتريلها المسكنات.

لحد ما جت اللحظة اللي افتكرت إنها هتغير حياتنا للأحسن: جالي جواب قبولي في كلية التجارة جامعة القاهرة.. ونزلنا سكنّا في القاهرة سوا.

عشنا على الكفاف.. أنا أخدت السكن وأمي معايا، وكنت بشتغل في الويك إند. ورغم كل حاجة كانت أيام حلوة.. أخرجها نتمشى على كورنيش النيل، نطلع جنينة الأسماك في الزمالك، ولما يفيض معايا جنيهات أشتريلها طرحة جديدة.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *