لو فضلتي
فتشت البيت لعدة ساعات، بس اللي دخلوا كانوا عارفين هما بيدوروا على إيه بالظبط. فتحوا الأدراج، فضوا الفايلات، وحتى خلعوا ألواح خشب من مكتب جدي الصغير. وقتها افتكرت حاجة… وأنا صغيرة، كان دايماً بيشيل الأوراق المهمة جوة صندوق صاج مستخبي تحت أرضية العشة اللي في الجنينة.
جريت على هناك، وفعلاً لقيته.
جوة الصندوق كان فيه عقود ملكية، الخرائط القديمة، وظرف مكتوب عليه اسمي. وكان فيه كمان ورقة مصفره طالعة من مستشفى خاص في القاهرة. قريتها مرتين لأن عقلي كان رافض يستوعب الكلام: إقرار مكتوب بخط الإيد من 28 سنة، واحدة بتقول فيه إنها بتتخلّى عن طفلتها المولودة حديثاً. وفي الآخر كان فيه توقيع: ناهد مصطفى.
ده كان اسم العيلة للست ناهد الألفي… سيدة الأعمال اللي عايزة تاخد أرض جدي، وأم البنت اللي إسلام رايح يتجوزها.
تاريخ ميلادي كان هو نفس التاريخ اللي في الورقة بالظبط!
فتحت جواب جدي وأنا إيديا بترتعش: “يا مريم، لو بتقري الجواب ده، يبقى غالباً معرفتش أحميكي أكتر من حقيقة أنتي عمرك ما احتجتيها عشان تكوني حفيدتي.”
حكالي إنه هو وجدتي لقوني معروضة للإهمال ومتروكة جنب محطة قطر وأنا لسة مولودة، بلغوا الشرطة، وبعد إجراءات طويلة قدروا يتبنوني ويكفلوني رسمياً. وبعد سنين، جدي لمح اسم الست دي في لقاء صحفي؛ ناهد اتجوزت راجل غني جداً، وعملت إمبراطورية عقارات، وجابت بنت ثانية اسمها فريدة.
يعني أنا عندي أخت… والست اللي بتطارد جدي دلوقت هي أمي البيولوجية!
ما كانش فيه وقت للدموع، كان لازم ألحق جدي.
في نفس الليلة، دخلت مقر مجموعة الألفي وأنا لابسة زي أفراد النظافة. استخبيت في أوضة الصيانة اللي جنب مكتب إسلام، وسمعته بيتكلم في التليفون:
—الراجل العجوز لسة محبوس. المكان مقفول وماحدش يقدر يدخل من غير إذن، لما يزهق ويموت من الخوف هيوقع.
وبعدين قال اسم المكان: دار السلام للمسنين… مبنى خاص في أطراف طريق إسكندرية الصحراوي.
تاني يوم الصبح طلعت على هناك، بس الأمن على الباب منعوني أدخل:
—مافيش حد بالاسم ده هنا يا أنسة.
قعدت على الرصيف وأنا منهارة. نزل مسعف من عربية إسعاف كانت جاية تسلم مستلزمات طبية، اسمه كريم، وسألني مالك؟ ماعرفش ليه ارتحتله، بس حكيتله كل حاجة.
ملامح وش كريم اتغيرت وقال: —اللي بتحكيه ده مش دار مسنين، دي عملية احتجاز غير قانوني!