ممشيه

“أنا اللي ممشية البيت ده.. ومراتك دي ما حيلتهاش غير الخلفية وغسيل المواعين.”

سمعت صوت أمي بيرن في الجنينة قبل ما أحط رجلي جوة البيت. كانت بتضحك وبتوزع المشروبات على يجي عشرين واحد من قرايبنا الملمومين في الجنينة ورا في فيلتنا في الشيخ زايد.

محدش فيهم كان متوقع إني أرجع بدري.

أنا شريف، مهندس مدني، واليوم ده كان عيد ميلاد ابني يونس الأول. أخدت نص اليوم إجازة علشان أفاجئ مراتي نورهان. كنت جايب معايا تورتة، وسلسلة فضة صغيرة حافر عليها أول حرف من اسم يونس، وكمان الفستان الأزرق اللي كان نفسها فيه بقالها شهور ورافضة تطلبه علشان توفر.

لشهور طويلة كنت فاكر إني عامل كل اللي عليا وأكتر. كنت بحول لأمي الحاجة سعاد ٥٠ ألف جنيه كل شهر، بعد ما نقلت تعيش معانا أول ما يونس اتولد وصممت إنها هي اللي تمسك البيت والمصاريف وتساعد نورهان وأنا مسافر في مواقع الإنشاءات في المحافظات. كل ما أكلم نورهان، كانت بتقولي “كل حاجه تمام والموضوع بسيط”، وكنت بصدقها.

أول ما دخلت الشارع، اتفاجئت بالعربيات الفارهة زاحمة الرصيفين، وصوت الأغاني عالي ويهز البيبان. الجنينة كانت مقلوبة، مش عيد ميلاد طفل كمل سنة، لا.. عزومة فخمة تصرف ألوفات: جمبري واستستا ومشاوي وحلويات شرق وغرب.

أمي كانت لابسة عباية استقبال مطرزة وذهب بيلمع في إيديها الاتنين، وواقفة بوسط قرايبنا بتقول بفخر: “ابني مهندس قد الدنيا وبيحولي اللي بطلبه كله علشان أظبط العيلة دي.”

واحدة من خالاتي سألتها: “أمال فين نورهان؟”

أمي ردت من غير ما تلتفت حتى: “في المطبخ جوة، خليتها تطبخ الأكل ده كله. فاكرة نفسها لسه دلوعة علشان خلفت.. اللي عاوزة تعيش في خير ابني، لازم تشقى وتستاهل اللقمة اللي بتاكلها.”

محدش نطق. بالعكس، ناس ضحكت وناس كملت أكل عادي.

لفيت وفتحت باب المطبخ اللي ورا. ريحة الكلور والمنظفات خنقتني أول ما دخلت.

وهناك شفت نورهان.

كانت قاعدة على كرسي بلاستيك صغير، حواليها جبال مواعين وحلل زيوتها مالية المكان. إيد شايلا بيها يونس على كتفها، والإيد التانية بتمسح بليفة في صينية ألومنيوم كبيرة. وش يونس كان أحمر جمر، ونفسه سريع وجسمه بيلعن نار من السخونية.

بين سنان نورهان، كان فيه حتة عيش ناشفة بتعض عليها، مالحقتش حتى تاكلها. هدومها كانت مبلولة عرق، والهالات السودة حافرة وشها ووزنها نازل للنص.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *