رجعت البيت
رجعت البيت بدري عن ميعادي وقيت مراتي اللي لسه طالعة من العمليات مغمي عليها على الكنبة، وأمي قاعدة بتاكل بكل برود من الأكل اللي أجبرتها تطبخه وتقول: “دي بتتمارض بس”… بس لما رجعت لسريرات الكاميرات، اكتشفت إن الموضوع مش مجرد إهمال، دي كانت خطة مرسومة بالملي.
«مرتك مش بتموت يا هشام.. دي بتعمل شو وشغل حريم عشان تخلع من غسيل المواعين».
سمعت الجملة دي قبل ما حتى ألحق أفلّق الباب.
أنا كنت راجع الشقة في التجمع الخامسة قبل ميعادي بـ 5 ساعات كاملة. اجتماع السخنة اتلغى في آخر لحظة، وقلت بدل ما أقول لشهيرة أعملها مفاجأة. كنت فاكر إني هدخل ألاقيها مريحة في السرير وماسكة يوسف ابننا اللي لسه شرف الدنيا من أسبوع، أو حتى نايمة والتعب باين عليها، بس على وشها نفس الابتسامة الدافية اللي كانت بترسمها من يوم ما خرجنا من المستشفى.
بس أول حاجة هزت البيت كانت صريخ يوسف.
ما كانش عياط عاديل بتاع الجوع.. كان صريخ طفل بيستغيث، صوت مبشوح ومكتوم، كأن الواد بقاله ساعات بينادي ومافيش بني آدم حاسس بيه.
فتحت باب الشقة، وريحة المكان خنقتني: رز شايط، شوربة مدلوقة على الأرض، لبن دافي، وشوية هدوم مبلولة مبرمية في كل حته. الصالة كانت منورة زيادة عن اللزوم، الشيش مفتوح كله والشمس ضربة في الصالة كأنها بتكشف المأساة.
حفاضات نظيفة مرمية على الينتريه، وسبت الغسيل مقلوب جنبه، وأوراق المستشفى متطبقة على ترابيزة الصالون. فوق الأوراق، كانت ورقة الخروج الصفرا واضحة ومكتوب فيها بخط عريض:
توجه فوراً إلى الطوارئ في حالة حدوث دوخة، إغماء، هبوط حاد، أو صعوبة في البقاء مستيقظة.
شهيرة كانت مرمية على الكنبة الكبيرة.
مش نايمة.. كانت غايبة عن الوعي تماماً.
وشها كان أصفر زي الليمونة، شفايفها متشققة، وشعرها لاصق على أويتها من العرق. إيدها نازلة من على الكنبة وأطراف صوابعها لمسة السجادة. البيجامة بتاعتها متغرقة لبن، والشاش اللي على جرح القيصرية كان متبهدل ومرحل من مكانه.
ويوسف في السرير بتاعه، وشه أحمر دم من كتر العياط، وإيديه الصغيرة مقفولة بقوة وجسمه بيتنفض بين كل صرخة والثانية.
وأمي.. الحاجة عفاف.. كانت قاعدة على سفرة الصالون.
بتاكل.
قدامها طبق فيه رز وشوربة وطاجن فراخ بالوايت صوص. حاطة الفوطة على حجرها وبتاكل بشويش وبكل بروق، بنفس الهدوء اللي بتستخدمه دايماً لما تحب تفرض سيطرتها.