من 8 سنين
كان لينا 8 سنين متجوزين، وكل المرة اللي أعمل فيها اختبار حمل، كان سيف يقعد يدعي بقلبه إن المولود يكون ولد. مش إنه مابيحبش البنات، لأ.. هو بيعشق بناتي الأربعة: مريم، ونور، وفريدة، والصغيرة خديجة. بس كان دايماً في عينيه نظرة باقية بعد كل ولادة.. شوية حزن مستخبي ورا ضحكته، ويوشوشني ويقولي: “المرة الجاية إن شاء الله نجيب الولد اللي يشيل اسم العيلة”.
“المرة الجاية”.. الكلمة دي كانت زي الحجر القاسي اللي بيبات تحت مخدتي كل ليلة.
بعد خديجة، أنا جسمي تعب خلاص. السهر، والعيّاط، ومصاريف المدارس، والمذاكرة، والرضاعة، وملاية السرير اللي مابتلحقش تنشف. بس هو كان نفسه في الولد. وأمه، حماتي، كانت دايماً بتقولها صريحة: “عايزين الواد اللي يرفع رأس العيلة ومايقطعش حسها”. وأنا من الهبل وقلة الحيلة، كنت بخلط بين الحب والتضحية، ووافقت أحمل للمرة الخامسة.
ولما الدكتور في السونار قالنا: “مبروك.. ولد”، سيف طار من الفرحة. قبل ما نشتري السرير حتى، نزل دهن أوضة الأطفال أزرق، وجاب اليافطة الخشب اللي مكتوب عليها “أحمد”. جاب جزم صغيرة، وقمصان للأهلي صغننة قد الكف، ولما كنت أقوله بالراحة يا سيف مش يمكن مايحبش الكورة؟ كان يضحك ويقولي: “ده ابني أنا.. وهيطلع حريف زيا”.
“ابني أنا”.. مش ابننا.
في يوم الولادة في مستشفى في المعادي، سيف ماكنش قاطِع كلام مع أخته شيماء على الواتساب. كانت بتبعتله صور البنات في البيت وهم بيلعبوا.
الساعة كانت حوالي 4 العصر، وأنا صاحية بالعافية من بنج القيصرية، وجسمي كله بيدغدغ وبيترعش. سيف كان ماسك أحمد بين إيديه وبيعيط من الفرحة، عينيه حمرا، وبيبسني في دماغي وبيقولي: “تسلميلي يا أم أحمد.. ربنا يخليكي ليا”.
بعدها بـ 5 دقايق بالضبط، دخلت الممرضة عشان تغير للولد وتهندمه قبل ما نخرج. حطته على السرير الشفاف، شالت اللفة البيضا، ونزلت الحفاضة شوية عشان تطهر السرة.
فجأة.. سيف قطع النفس.
لقيته بيسند لورا على الكومودينو خطوتين، وعينيه مبرقة ومركّزة في أسفل ظهر الولد.
قلتله بقلِق ورعشة: “في إيه يا سيف؟ مالك؟”
الممرضة بصت للولد وابتسمت تهدي الجو: “مفيش حاجة يا أستاذ، دي مجرد وحمة صغيورة خالص”.
كانت وحمة باينة أوي، شكلها زي نص الهلال، مستخبية في آخر الضهر من تحت.