في عيد ميلادي

في عيد ميلادي الـ 67، نسيبتي داليا جابتلي شنطة سفر قديمة ومكسرة وقالتلي قدام الكل: “خلاص بقا، جه الوقت اللي لازم تعزّلي فيه.”

الناس في الصالة ضحكوا بكسوف، بس هي مكنتش تعرف إن قبلها بثلاث أيام بس، سمعت الخطة اللي هي وحسين ابني مرتبينها عشان يرموني في دار مسنين وياخدوا البيت اللي أنا دافعة ثمنه من جايبي.

داليا حطت الشنطة على رجلي وكان فيها ورقة متعلقة في الإيد مكتوب عليها: “عشان لما تحبي تعزّلي أخيرًا.”

الصالة كلها سكتت.

كان يوم عيد ميلادي السبعة وستين.

أحفادي كانوا واقفين قدام التورتة، وجارتي وأخت عمري حاجّة هدى ضغطت على شفايفها بغل. أما ابني حسين، فنزل عينه في الأرض وطلع منه الضحكة العبيطة إياها اللي بيهرب بيها كل ما مراته تتهجم عليا أو تقل مني.

— “يا أمي ما تاخديش الكلام على أعصابك، داليا بتهزر معاكي!”

شيلت الشنطة وركنتها على جنب وابتسمت:

— “تسلم إيديكي يا داليا.. يمكن أحتاجها قريب فعلاً.”

داليا كانت فاكرة إنها كسرتني وحرجتني قدام الناس، مكنتش تعرف إن الكلام ده هيتقلب على دماغها.

بعد ما جوزي الله يرحمه، عبد الرحمن، توفى، بعت شقتنا القديمة اللي عشنا فيها أكتر من ثلاثين سنة في شبرا، وجمعت كل تحويشة عمري عشان أشتري بيت كبير في التجمع، يكفي حسين ومراته وعيالهم الاثنين.

أنا مكنتش عايزة أعيش لوحدي.. كنت حالمة ببيت مليان دوشة، وأحفادي بيجروا في الصالة، ولمة يوم الجمعة على الفطار.

في الأول الموضوع كان ماشية كويس، بس واحدة واحدة داليا بدأت تعاملني كأني ضيفة تقيلة نسيت تروح ببيتها.

شالت صوري وصور جوزي من الصالة عشان “بتخلي شكل البيت قديم ومكركب”، وفرضت عليا مواعيد معينة أدخل فيها المطبخ. ولو عزمت الحاجة هدى تشرب معايا كوباية شاي، تقعد تتأفأف وتخبط في الحلل كأني عاملة فرح. ولو فتحت بقي في تربية العيال، تفكرني فوراً إنها هي الأم.

وحسين؟ حسين كان دايماً بيجيب لها أعذار:

— “تعبانة يا أمي معلش.. معلش ما نعملش مشكلة من ولا حاجة.”

أنا كنت بسكت وبأبلع الزلط، لأني طول عمري مقتنعة إن الأم هي اللي بتلم البيت مش بتخربه.

بس قبل عيد ميلادي بثلاث ليال، قمت نص الليل أشرب، وسمعت صوتهم في المطبخ.

— “أنا خلاص كلمت دار مسنين في الشروق،” داليا كانت بتقول بثقة، “وعندهم تمريض أربع وعشرين ساعة.”

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *