رجلك
الجزء الأول
«لو حطيتي قدمك جوه البيت ده، أنا هلم هدومي وأمشي ومش راجع تاني أبدًا!»
دي كانت أول كلمة اسمعها من يوسف، ابن جوزي الجديد عنده 10 سنين، أول ما وصلت بشنط السفر بتاعتي الشقة في القاهرة، المكان اللي المفروض هنبدأ فيه حياتنا مع بعض.
حسام، جوزي، وشه اتخطف وبقى زي القماش الأبيض.
يوسف كان حاطط شنطة سفر زرقاء جنة الباب، وبيدب في الأرض وعيونه مليانة غل وخوف. حسام جه يتحرك ناحيته:
— يا حبيبي ما تقولش كده…
رفعت إيدي وقفته.
مسكت الشنطة وزقيتها بره الباب وفتحته على آخره:
— تمام يا يوسف، طالما قررت تستقل بنفسك وتعتمد على روحك، أنا مش هقف في طريقك.
وقبل ما يستوعب اللي بيحصل، مديت إيدي في جيبه وطلعت التليفون والفيزيتين الصغيرين اللي حسام كان مديهومله “للطوارئ”:
— الحاجات دي هتفضل هنا. طالما هتمشي وتعيش مع نفسك، يبقى تشيل مسؤولية نفسك للاخر.
طلعت من شنطتي 200 جنيه وحطيتهم في إيده:
— دول يجيبولك أزازة مية، وساندوتش، وحق تذكرة المترو أو الأتوبيس. بس ما ترجعش بعد خمس دقايق تقول لي بضحك معاكوا. اللي يهدد إنه هيمشي، لازم يفهم كويس يعني إيه كلمة ماشي.
يوسف اتنح وبصلي وراسه لفّت.
بدأت أقفل الباب بالراحة.
لقيته مسك في حرف الباب بكل قوته وهتَف:
— خلاص! مش عايز أمشي!
وفجأة انفجر في العياط.
حسام كان باصصلي باستغراب وذهول، كأنه أول مرة يشوفني.
قلت ليوسف ببراود:
— تمام، ادخل اغسل إيدك وتعالى عشان تتعشى.
دخل يوسف وهو بيغلي من الجوا، وحسام شال الشنطة ودخلها.
حسام قرب مني وقال بصوت واطي:
— مريم، ده عيل عنده 10 سنين! أمه متوفية، ما ينفعش تعامليه بالقسوة دي!
— عشان عنده 10 سنين بالظبط، لازم يفهم إن الخوف والابتزاز مش هما اللي هيحكموا البيت ده.
حسام ما كانش فاهم الوجع اللي جوايا ولا الثمن اللي دفعته عشان أقدر أقف الوقف دي.
من سنين طويلة، أنا خسرت ابني سيف لما كان عنده 7 سنين. أبوه ما كانش قادر يتقبل إن الولد عنده طيف توحد خفيف، وفي يوم ووسط خناقة كبيرة بيننا في مول تجاري، سابه مشي وزعل. سيف خرج يدور على حد يساعده، وحصلت الحادثة وما رجعليش تاني.
بعد الطلاق، قررت أدرس علم نفس أطفال. اشتغلت مع أطفال عندهم اندفاعية، وخوف، وعائلات دمرتها الختامات والذنب.