امي
بعد حداشر دقيقة من بداية جلسة الطلاق في المحكمة، جوزي رجع بظهره على الكرسي وابتسم ابتسامة حد واثق إن شركتي، وورثي، وأحلى تسع سنين في عمري خلاص بقوا في جيبه. آسر الهواري كان محامي شركات معروف، وبيعرف يفضل هادي وبارد جداً وهو بيهد حياة حد تاني. في قاعة محكمة الأسرة في التجمع الخامس، ظبط أكمام بدلته وبص على محاميه وهو بيحط ملف تقيل قدام المستشارة نادية سليمان. أنا فضلت ضاغطة على إيدي ومتكتمة عشان آسر كان مستني مني أي حركة طيش أو عصبية.
الملف ده كان عن شركة “نوردكس للاستشارات”، الشركة اللي أنا بدأتها من الصفر بكتبين قدام وشوية كراسي مستعملة وكاتل قهوة بيموت. بعد حداشر سنة، قيمة “نوردكس” وصلت لأكتر من مية وخمسين مليون جنيه، وآسر كان عايز ياخد نصها. مش بس كده، ده كمان كان طمعان في صندوق العيلة العقاري اللي بابا الله يرحمه عملهولي من قبل ما أعرف آسر أساساً. حجته كانت بسيطة ومستفزة: “إن طليقته غير متزنة نفسياً وما تقدرش تدير المبلغ ده”.
الثلاثة اللي كانوا قاعدين ورا آسر في الصالة هما اللي خلو الجرح أعمق بكثير من موضوع الطلاق نفسه. أمي، ماجدة، كانت قاعدة ببدلة رمادي راقية وحاطة شنطتها على رجلها بهدوء. أختي الصغيرة، نورهان، كان باين على وشها الشماتة والرضا، وجوزها، شريف، كل شوية يبص في ساعته كأنه مستني نخلص عشان يطلعوا يحتفلوا مع بعض بالنوادي. هما مكانوش جايين عشاني.. هما جم عشان يكونوا شهود آسر ضدي.
على مدار سنة كاملة، كانوا بياكلوا على سفرتي، وبياخدوا مني مساعدات، ويسألوني بأسئلة خبيثة ومستخبية عن “نوردكس”. هل المقر الرئيسي ملكي؟ هل أفكر أبيع؟ وإيه اللي يحصل لو جرالي حاجة وما قدرتش أدير الشركة؟ كنت بجاوب بمنتهى النية الصافية عشان هما أهلي، وما تخيلتش لحظة إن كل كلمة كنت بقولها كانت بتتسجل وتتحول لدليل ضدي. ودلوقتي، محامي آسر بيقدم الكلام ده للمحكمة على إنه دليل إني فقدت أهليتي المالية!
وفجأة، المحامي رفع عقد من واحدة وعشرين صفحة وأعلن للمحكمة إني تنازلت بملء إرادتي لآسر عن إدارة أملاكي والشركة. القاضية نادية بدأت تقلب في الصفحات الأخيرة، وآسر يبصلي بنفس الابتسامة الصفرا المستفزة. أنا عرفت التوقيع فوراً.. ده خط إيدي وتوقيعي فعلاً، بس الكلام اللي مكتوب فوق التوقيع ده، أنا عمري ما شفته ولا قريته.