يا بابا

— يا بابا… في راجل بيدخل أوضتكم كل ليلة بعد ما أنت بتنام.

فريدة كان عندها 8 سنين.

وفريدة مكنتش من نوع الأطفال اللي بيألفوا حكايات عشان يشدوا الانتباه. كانت هادية، بتلاحظ كل حاجة، وجادة جداً لدرجة إنك تحس إنها عندها 30 سنة مستخبيين ورا عيونها الكبار دول.

عشان كده، أول ما قالت الجملة دي وأنا بسوق العربية ورايح أوديها المدرسة في المعادي، حسيت إن إيدي سابت الطارة.

— قُلتي إيه يا فريدة؟

فضلت باصة من الشباك وقالت بمنتهى البساطة:

— راجل بيدخل الأوضة. بيمشي بالراحة أوي عشان الخشب بتاع الأرضية ميعملش صوت.

حسيت بنغزة جامدة في قلبي.

— راجل مين؟

— معرفش. بس دايماً ماسك في إيده شنطة سودة.

بلعت ريقي بصعوبة.

— وأمك؟

هزت كتفها:

— بتبقى صاحية.

لفيت وشي ليها ثانية واحدة:

— عرفتي منين؟

— عشان بتبص على الباب، وأول ما يدخل بتروح قافلة عينيها.

الكلام ده ثلّج الدم في عروقي.

أنا ونوران متجوزين بقالنا 11 سنة.

مكنّاش الكابل المثالي اللي في الأفلام، بس كنت فاكر إننا بيت مقفول ومستقر. اشترينا شقتنا في التجمع بعد سنين شقا وتحويش، وعندنا بنت زي القمر. أنا كنت بطحن نفسي في شغل المحاماة وفي مكتب كبير عشان فاضلي شهور وأبقى شريك في الشركة.

حياتي كلها كانت مبنية على حقيقة واحدة بسيطة:

نوران معايا وفي ضهري.

لحد الصبح ده.

نزلت فريدة عند باب المدرسة ورجعت على الشقة على طول.

لقيت نوران واقفة في المطبخ بتعمل قهوة.

— أحمد؟ نَسيت حاجة ولا إيه؟

بصيت لعيونها:

— اه.

— نسيت إيه؟

مكنتش قادر أنطق.

كنت عايز أسألها: مين الراجل اللي بيدخل أوضتنا بالليل؟

كنت عايز أرمي التليفون في وشها وأطلب تفهيم للي بيحصل.

بس في حاجة مسكتني.

يمكن الطريقة اللي وّطت بيها رأسها فجأة.

يمكن الهالات السودة اللي تحت عينيها واللي بقالي أسابيع بقول لنفسي إنها مجرد إرهاق.

أو يمكن الكمام الطويلة اللي كانت لابساها رغم إننا في حر أغسطس والجو نار.

— ولا حاجة مهمة —كذبت عليها—. نسيت ورق الشغل.

ابتسمت ابتسامة باهتة.

بس لما قربت عشان أبوسها قبل ما أنزل، جسمها اتشنج.

حركة صغيرة جداً.. بس لقطتها.

الحركة دي فضلت تاكل في دماغي طول اليوم.

قعدت أشتغل من البيت، أو بمعنى أصح، كنت بمثل إني بشتغل.

نوران كانت بتنضف، بترد على تليفونات، بتطبق الغسيل..

وأنا كنت بقرا كل حركة بتعملها وكأنها واحدة غريبة عني.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *