اول مره
نزلت الشنط بمساعدة واحد صحبي جايب عربيته تحت. الحاجة سوسن كانت قاعدة في الصالة، ماسكة سبحتها وبتسبح بصوت عالٍ ومسموع عشان تحسسني بالذنب. وهي بتشوفني طالعة بالشنط، قالت من تحت الضرس: “اللي تخرج من بيت جوزها عشان الفلوس، ما تلزموش يا ابني.. بكرة يجيلك اللي تقبل بعيشتك وتصونك.”
ما ردتش عليها. بصيت لها ابتسامة صغيرة، وقلت: “ربنا يخليكي له يا طنط.. أهو بقى معاكي طول الوقت، يخدمك وتخدميه ورجعوله الـ 200 ألف بقى من شغله الإضافي.”
خرجت، وقبلت الأوضة المفروشة في الدقي. كانت أصغر بكثير من الدور الأرضي اللي كنا قاعدين فيه، بس كانت أوسع مكان دخلته في حياتي.. عشان ماكانش فيه سقف مهدد يقع عليا ولا ديون مستخبية تحت السجادة.
الأسبوعين اللي بعدهم كانوا عبارة عن معركة تركيز.
كنت بطلع من الشغل على المكتبة، ومن المكتبة على المحاضرات. النهار يروح والليل يجي وأنا مش بفتح موبايلي غير على الشغل والكلية. كريم كان بيبعت رسائل كل يوم:
* “ندى اسمعيني بس.”
* “أنا بعت كابلات المعدات القديمة ودفعت 30 ألف لأمي.”
* “أمي مش بتكلمني ومزعلة نفسها عشان نزلت أشتغل كهربائي سبت وأحد.”
ماكنتش برُد غير برسايل قصيرة جداً: “ربنا يقويك على ديونك.”
في نص يناير، مدام داليا نادتني. دخلت مكتبها، كانت مبتسمة وبتبصلي بامتنان: “مبروك يا ندى.. الإدارة وافقت على ترقيتك لمحلل مالي. هتستلمي رسمياً أول الشهر.”
في اللحظة دي، حسيت إن المساحة اللي كانت ماسكاها الحاجة سوسن، والـ 200 ألف جنيه، والإنكار بتاع كريم.. كل ده اتبخر. النفس اللي أخدته ساعتها كان طعمه مختلف.
بعد أربع شهور، كريم طلب يقابلني في كافيه في المهندسين.
لما شفته، اتفاجأت. كان باين عليه التعب، خاسس وشكله مجهد من شغل الإضافي أيام الإجازات. حط قدامي كشف حساب بنكي ورق.
“أنا دفعت لأمي 120 ألف لحد دلوقتي،” قالها وهو بيحط إيده على الترابيزة. “وباقي المبلغ هخلصه في الصيف. وسبت شقة أمي.. أجدت شقة صغيرة في الهرم على قد مدخلي.”
بصيت له وساكتة.
كردف كلامه بصوت مكسور: “أنا اتعلمت الدرس يا ندى.. عرفت يعني إيه راجل يشيل شيلته، وعرفت إن أمي كانت بتستغل ضعفي عشان تتحكم فيكي وفي حياتنا. أنا كبرت.. وبطلب منك تديني فرصة نرجع نبدأ من جديد، بس بشروطي وشروطك أنتِ، مش شروط أمي.”