مرات اخوكي

حسيت الدم بيغلي في عروقي، بس أمي قطعت عليا ومسكت إيدي جامد من تحت الترابيزة. الحركة دي كان معناها كالعادة: “عشاني بلاش مشاكل”.

عمتي ماجدة نزلت علينا زي القضا والمستعجل، اتعاملت مع البيت كأنه فندق سبع نجوم. تطلب القهوة بمزاج، المية بثلج، الفطار في دقيقة معينة، وتبدل قنوات التلفزيون بقلة ذوق ومن غير ما تستأذن. وأبويا كل اللي يعمله إنه يكرر: “دي أختي الوحيدة، معلش استحملوها”.

في اليوم التالت، الجو في القاهرة كان حر يكتم النفس. أمي كانت واقفة تعمل طاجن بفتيك وبشاميل، ففتحت باب المطبخ عشان تهوي الشقة وتطلع الصهد. عمتي ماجدة خنقت مناخيرها وهي قاعدة في الصالة:

—اقفلي الباب ده! ريحة الأكل خنقتني.

—يا ماجدة الجو جوة زي الفرن، هيجيلي هبوط —أمي ردت بصوت مكسور.

—وايه يعني؟ اتصرفي واستحملي شوية. طول عمرك متعودة على شقا المطبخ والوقفة دي!

ماقدرتش أمسك نفسي أكتر من كدة:

—يا عمتي، لو الريحة مضايقاكي ممكن تقعدي في الأوضة جوة وتشغلي التكييف، أمي مش هتموت من الحر عشان حضرتك ترتاحي!

—انطمي انتي يا بت وما تتدخليش! —عمتي برقتلي—. الواحدة مننا بتضحي عشان راحت الباقيين، دي الأصول والذوق!

في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح. مصطفى وندى كانوا لسه واصلين. ندى بصت للمطبخ، شافت أمي العرق مغرقها ووشها أحمر، فسألت بهدوء: “هو في ايه؟”

عمتي ماجدة ردت قبل ما حد يفتح بؤه:

—مفيش يا حبيبتي، حماتك بس بتتمارض وتدلع لما يجيلها المزاج.

ندى وقفت مكانها وبصتلها:

—يعني حضرتك عايزاه تقفل الباب وتطبخ في الحر ده كله؟

—عملت أصعب من كدة زمان! بعدين حماتك أصلها من أرياف وعيلة على قد حالها ومتعودة على الشقا. الست لما ملهاش ظهر يسنُدها، بتتعلم تطبس وبتستحمل أي حاجة!

في لحظة، وش ندى اتغير تماماً. أنا كنت متوقعة إنها تفتكر الخناقات والتهزيق اللي أمي عملته فيها وتقرر مقتفش وتكبر دماغها، وكان هيبقى عندها حق بصراحة. بس ندى قربت بخطوات ثابته، طفت البوتاجاز، ومسكت إيد أمي بالراحة:

—عفواً يا عمتو، بس كلامك ده غلط.

—غلط في إيه يا ست هانم؟!

—حماتي ليها ظهر.

عمتي ضحكت بتهكم:

—مين ده إن شاء الله؟

ندى شاورت على مصطفى، وعليا، وبعدين على نفسها:

—إحنا. لو زمان اتعاملت وحش عشان افتكرتوا إنها لوحدها، فالزمان ده انتهى. إحنا أهلها وعزوتها، ومش هنسمح لأي حد يقلل منها أو يهينها في بيتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *