السفر

على اليوم التالت، فهمت إن الموضوع مش مجرد جفاء أو بعد مسافة. ندى لما كانت تقع وتتعور، تجري على جدتها. يوسف لما يبطل يعرف يحل الواجب، يروح لأبوه. وأول ما أدخل أنا الأوضة، يتسمروا في مكانهم كأنهم مستنيين القنبلة تفرقع.

يوم الجمعة، ندى دلقت كباية اللبن على السفيرة. أنا كنت راجعة طافحة الدم من النبطشية في المستشفى، والزي نازل عليا.

— يا ندى خدي بالك شوية يا حبيبتي! — قلتها بصوت أعلى سنّة من العادي من كتر التعب.

طارق قام فجأة ووقف بجسمه بيني وبين البنت:

— جرى إيه يا مريم! ما تفزعيش البنت!

اتسمرت مكاني. ندى بدأت تعيط في ساعتها، بس مش عياط عيل خايف من زعيق، ده عياط حد حافظ السيناريو ومتدرب عليه. في زاوية المطبخ، كانت الحجة زينب واقفة رافعة تليفونها لمستوى صدرها.. الشاشة كانت متوجهة عليا.

— انتي بتصوريني؟ — سألتها وأنا مش مصدقة.

نزلت التليفون ببرود يرعب:

— عشان لما تقولي ما حصلش، يبقى المعاينة موجودة.

الجملة دي طيرت النوم من عيني.

يوم الإثنين بعد الضهر، خبط الباب.. كانت أخصائية اجتماعية من المجلس القومي للأمومة والطفولة ومعاها دكتورة نفسية. معاهم ملف كبير ونبرة كلام هادية ترعب أكتر من الزعيق. قالوا إن في بلاغ متقدم بـ “عدم استقرار نفسي للأم” و”خوف الأبناء منها”. طارق قعد على الكرسي بوش الضحية المظلومة:

— أنا كل اللي يهمني العيال يعيشوا في هدوء.

الأخصائية فرجتني على فيديوهات. في فيديو منهم، طالع فيه وأنا بنتر في ندى عشان كباية اللبن.. الصوت كان متضخم ومقصوص قبل ما أخدها في حضني وأمسح لها دموعها وأبوس رأسها. وفي فيديو تاني، طالعة وأنا قاعدة على السرير بعيط من كتر التعب بعد السفر، ويوسف واقف على الباب.. المنظر كان باين كأني بتجاهله، ومحدش جاب الـ 10 دقايق اللي قبلها لما قال لي: “أنا مش عارف لو ينفع أقولك يا ماما زي زمان ولا لأ”.

— الكلام ده مقطوع ومش كامل! — صرخت.

الأخصائية ما اتهمتنيش، بس كلامي ما دخلش دماغها.

— لحد ما نعمل التقييم، الأفضل إنك تقعدي كام يوم برة البيت.. برغبتك.

برغبتك.. كلمة شيك أوي عشان يطردوا الواحدة من بيتها!

لميت شنطتي للمرة التانية. بس المرة دي مش عشان أنقذ البيت.. المرة دي عشان أخرج منه مكسورة. ندى حضنتني حضن ناشف، يوسف رفع إيده من بعيد، والحجة زينب قربت باستني على خدي ووشوشتني:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *