مراتي

سناء قعدت على الكنبة، حطت إيديها على وشها ومبقتش قادرة تنطق بكلمة واحدة. الدموع جفت في عينيها وبقى الصمت أصعب من العياط.

“سامحيني يا سناء”، قلت لها وأنا قاعد جنبها وماسك إيديها الباردة. “أنا اللي دلعته زيادة عن اللزوم وكنت فاكر إني ببنيله مستقبل.”

“مش وقت اللوم يا مجدي”، قالت بصوت مكسور. “ابننا ضاع.”

بعد الظهر، الباب خبط بقوة.

فتحت، وكان كريم واقف وراه ندى. وشهم أصفر، وعينيهم فيها نظرة خوف حقيقية مش مجرد غضب.

“يا بابا، لازم تساعدنا”، قال كريم وهو بيدخل من غير إذن. “لو ما سددناش القسط الأخير قبل بكرة، هيحبسوني.”

بصيت له بثبات. مكنش فيه في قلبي غضب، كان فيه بس شعور غريب بالهدوء الحزين.

“أنت كنت ناوي تطردني أنا وأمك للشارع عشان تسدد ديون أنت سببتها لنفسك؟”

كريم بلع ريقه بصعوبة. “دي كانت غلطة… كنت مفكر إن الأمور هتتصلح…”

ندى دخلت في الكلام بصوت مرتجف: “عم مجدي، عشان خاطر السنين اللي فاتت دي كلها…”

“السنين اللي فاتت”، قطعتها بصوت هادئ وقوي، “إنتِ دخلتي بيتنا من تلات سنين بس. مفيش بيننا وبينك سنين. وفوق كل ده، أنتوا جيتوا هنا عشان تطردونا من البيت اللي تعبت فيه عرق وشقى ست وعشرين سنة عشان أمك ترتاح فيه وهي بتعاني من مرض القلب.”

سناء قامت وقفت ورايا، وبصت لابنها نظرة أخيرة خلت راسه تنزل في الأرض.

“أنا مش هسجن ابني”، قلت وأنا باصص لعينيه. “مش هسيبهم يحبسوك يا كريم. بس لحد هنا وكفاية.”

“يعني هتساعدنا؟” سأل وبصيص أمل لمع في عينه.

“هسدد الديون اللي عليك مباشرة للدائنين، مش هنديك مليم في إيدك. وهنصفّي كل حاجة تخصك عندي في الشركة. ومن اللحظة دي، مفيش أي صلة مالية أو قانونية بينا وبينك أنت ومراته.”

كريم فتح بيته عشان يتكلم، بس ندى مسكت دراعه ومنعته. عرفوا إن اللعبة خلصت.

“اطلعوا بره”، قلتها بهدوء. “ومترجعوش غير لما تتعلموا يعني إيه أهل، ويعني إيه بيت.”

مشوا من البيت، ونفس الباب اللي اتغير الكود بتاع إمبارح، اتقفل وراهم نهائي.

بعد ما مشيوا، الدنيا سكتت.

بصيت لسناء اللي كانت واقفة جنب الشباك بتبص على الورد في الجنينة.

“تعالي”، قلت لها وأنا ببتسم ابتسامة خفيفة.

“فين؟”

“نرجع نصلح البوابة دي، ونرجع نروي الورد مع بعض.”

قربت مني، وحطت راسها على كتفي، ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن البيت ده بقى بيتنا بجد… مش مجرد حوائط، ده مكان يحمينا إحنا الاتنين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *