سفر
رجعت من السفر، وكنت فاكرة إن بنتي أول ما تشوفني هتجري عليا وتاخدني بالحضان، بس لقيتها استخبت ورا حماتي وسألت بخوف: “هي ماما جاية زعلانة؟”
كنت شايلة شنطة هدومي، وشنطتين غسيل، وأمل عبيط إن ولادي هيستقبلوني زي زمان ويترمو في حضني. بس أول ما فتحت باب الشقة في الهرم، لقيت السجاد متغير، والفرش متغيّر، وفي برقع صور جديد متعلق، والست الكبيرة قاعدة ومتربعة في مكاني.
حماتي، الحجة زينب، رفعت عينها من طبق المحشي اللي بتغرفه وقالت بصوت حاد:
— وطي صوتك يا مريم.. العيال بتتخض منك.
أنا اصلاً ما لحقتش أتكلم ولا أفتح بوقي!
يوسف ابني، عنده 9 سنين، كان قاعد على الكنبة حاطط الهاند فري في ودنه. بص لي بصة سريعة، ابتسم ابتسامة باهتة، ورجع يكمل لُعبه على التليفون. وندى، 6 سنين، كانت ماسكة في جلابية جدتها كأني ضيفة غريبة ومتقيلة على القلب.
خرج جوزي، طارق، من الممر وهو ماسك تليفونه، ووشه مفيش فيه أي علامة من علامات الفرحة:
— حمد الله على السلامة.. يا رب المرة دي تعرفي تتأقلمي وتعيشي معانا.
حسيت إن الشنطة اللي في إيدي وزنها بقى أضعاف.
أنا سافرت الإمارات بعقد تمريض عشان أنقذ بيتنا، ما سافرتش أتفسح! سافرت لأن أقساط الشقة في الهرم كانت خنقانا، ولأن طارق ورشته كانت واقفة والديون غرقانا. 17 شهر كاملين وأنا ببعت كل قرش بيجيلي، بشتغل شفتات 12 ساعة، أعياد ميلادهم بنقضيها فيديو كول، وأنا بقضي ليلي بكاء في أوضة صغيّرة في الشارقة.
كنت بقول لنفسي: “كل ده مؤقت.. لما أرجع، البيت هيفضل بيتي.”
بس الليلة دي كانت ريحة البيت أكل حماتي، وريحة برفيوم غريب، ونظام كامل أنا مش موجودة فيه.
— بكره هعملكم صينية بطاطس بشوربة الفراخ زي ما بتحبوها — قلتها وأنا بحاول أبتسم.
يوسف شال الهاند فري وقال:
— نانا بتعملها أحسن.
ندى هزت رأسها بسرعة، وبصت لجدتها كأنها بتستأذنها قبل ما توافق.
حماتي ابتسمت ابتسامة خبيثة:
— العيال استقروا خلاص يا مريم.. بلاش تلخبطيهم وتدخلي تتنططي وتغيري دنيتهم من يوم وليلة.
كنت هرد، بس طارق مسكني من دراعي:
— مش عايزين مشاكل من أولها.
سكت. بلعت وجعي بكوباية مية وطلعت الأوضة. حتى الأوضة متغيرة: الملايات متغيرة، الكومودينو عليه حاجات تانية، وكتبي المفضلين محطوطين في كرتونة تحت السرير، وفي الدولاب ناحيتي هدوم الحجة زينب. الليلة دي طارق نام في الصالة، قال عشان العيال يحسوا بأمان!