يا بابا

فريدة حضنتني وقالتلي: “أنا كنت عارفة إن ماما زعلانة يا بابا… أنا هفضل جمبها مش هسيبها.”

بدأنا رحلة العلاج الحقيقية. المرة دي مش في السر، المرة دي وأنا ماسك إيدها في كل جلسة.

رحنا لأكبر الدكاترة في المعهد القومي للأورام وفي المستشفيات الخاصة. الأيام كانت صعبة جداً… أوقات كان العلاج الكيماوي والمناعي بيهد جسمها تماماً، أوقات كانت بتغيب عن الوعي من شدة السخونية والألم، وأنا أفضل قاعد تحت رجليها بعملها كمادات مية ساقعة، وأدعي ربنا في كل ثانية إنه ياخد من عمري ويديههالها.

بعنا عربيتي، وصرفنا جزء كبير من تحويشة العمر، بس مكنش يفرق معايا أي حاجة في الدنيا غير إن وشها يرجع يبتسم تاني.

وبعد 6 شهور من الحرب… حرب حقيقية مع المرض والموت واليأس.

كنا قاعدين في عيادة الدكتور الكبيرة في المهندسين، مستنيين نتيجة الأشعة المقطعية والتحاليل الأخيرة. نوران كانت ماسكة إيدي بقوة لدرجة إن أطراف صوابعي ازرقت، وفريدة كانت قاعدة وسطنا ماسكة عرستها.

الدكتور دخل، قعد على مكتبه، وبص في الأشعة لفترة طالت جداً… اللحظات دي كانت أطول من السنين.

وبعدين رفع عينه لينا، وابتسم ابتسامة عريضة:

— أنا مش عارف أقولكم إيه… بس دي معجزة. الورم اختفى تماماً.

نوران شهقت بصوت عالٍ وحطت إيدها على بقها، وأنا غمضت عيني ودموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع الفرحة… دموع الحاة اللي اتكتبتلنا من جديد.

رجعت بصيت لنوران وحضنتها بكل القوة اللي في العالم، وفريدة نطت في حضننا إحنا الاتنين.

النهارده… بعد سنة كاملة من الليلة الشؤم دي، بنحتفل بعيد ميلاد نوران.

البيت زحمة، وفريدة بتجري وبتلعب، ونوران واقفة في المطبخ بتعمل القهوة… وشها رد فيه الروح، وشعرها بدأ يطول تاني ويبقى أحلى من الأول.

أنا تعلمت درس عمره ما هيتمحى من ذاكرتي:

الحياة مش فلوس ولا مناصب ولا صراعات… الحياة هي الناس اللي بنحبهم، واللحظات اللي بنقضيها جمبهم وأحنا سالمين. والإنسان اللامبالي مش هو اللي مبيحبش، لكن هو اللي بياخد وجود اللي بيحبهم كأنه حق مكتسب ومضمون… لحد ما يكتشف إنه كان ممكن يخسرهم في ثانية.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *