بعد يومين
— “أنتِ بتعملي إيه؟”
— “ماطرة.”
— “بلاش جنان وهبل!” ومسك دراعي عشان يوقفني.
زقيت إيده بقوة:
— “لو عيلتك محتاجة حد ينظف ويكوي ويطبخ من 6 الصبح، نزلوا إعلان وظايف.. أنا متجوزتش عشان أشتغل عندكم.”
نادية ضربت بيدها على الترابيزة وصوتها هز المكان:
— “لو مشيتي من الباب ده، رجلك مش هتدخل البيت ده تاني!”
— “وده أحسن خبر سمعته النهاردة.”
مشيت بالشنطة في اتجاه الباب الخارجي.
وهناك، لقيت الست فاطمة واقفة جنب الحيطة، عينيها حمرة ومدمعة، ومربكة وهي ماسكة شنطة بلاستيك صغيرة فيها حاجتها. 15 سنة خدمة، ونادية أدتها 10 دقايق بس تلم فيهم حاجتها ورمتها بره.
وانا معدية من جنبها، لقيتها وِطت فجأة عند الشنطة:
— “حاجتك وقعت يا هانم.”
أنا مفيش حاجة وقعت مني!
لقيتها بتقرب من شنطتي وتتظاهر إنها بتصلح العجل، وحسيت بإيدها بتزق حاجة تقيلة جوه الجيب الجانبي للشنطة.
بعدها وقفت، ووشها كان أصفر زي الليمونة، وبصتلي بصة ترعب.
— “أمشي يا مريم هانم..” قيلتهالي بصوت واطي جداً وهي باصة للأرض: “..واوعي ترجعي هنا تاني.”
اتسمرت في مكاني:
— “في إيه يا فاطمة؟”
فاطمة بصت ورايا بسرعة، كانت نادية نازلة في اتجاهنا.. فمالت على ودني وقالت وهي بترتعش:
— “في جيب الشنطة فلاشة.. هما مرعوبين تتكشف. افتحيها وأنتِ تفهمي الحقيقة.. هما متجوزكيش عشان بيحبوكي، هما اتجوزوكي عشان حاجة تانية خالص!”
ما لحقتش أسألها ولا كلمة.
سحبت شنطتي وخرجت تجري للشارع، وأنا سامعة صوت سيف بينادي عليا من ورايا، بس مابصيتش ورايا ولا خطوة.
قعدت في عربية كباسي اللي طلبتها، وإيدي على جيب الشنطة، وجملة فاطمة بتزن في دماغي زي الجرس:
“هما متجوزكيش عشان بيحبوكي.. افتحي الفلاشة وأنتِ تفهمي.”
وصلت شقتي في المعادي بعد حوالي ساعة.
سيف كان رانن عليا 17 مرة.
وأمه نادية 6 مرات.
وأخته ميادة بعتتلي مسج واحدة بس: “أنتِ مش فاهمة أنتِ عملتي إيه في نفسك!”
طَنشت كل ده، وفتحت الجيب الجانبي للشنطة.
لقيتها.. فلاشة معدن صغيرة مالهاش أي معالم.
مسكتها بين صوابعي، وفي ثانية، بدأت أفتكر مكالمات وقعدات من الشهور اللي فاتت كنت فاكراها مجرد كلام عابر.
حماي، توفيق الهواري، كان دايماً بيسألني بتفاصيل غريبة عن شغلي. أنا بقالي 7 سنين شغالة في الالتزام والرقابة المالية ومكافحة المخاطر في بنك كبير.. شغلي كله عبارة عن مراجعة الهياكل الضريبية، وحسابات الشركات، والعمليات المشبوهة، ومين المستفيد الحقيقي من كل قرش يدخل أو يخرج.