حته لو كنتي

تعابير وشه اتغيرت في ثانية.

وكانت كفاية.

—داليا، مش محتاجة تشغلي بالك بتفاصيل طبية.

—أنا المريضة. بسألك تاني: أخدت كام كيس دم؟

اتنهد.

ساعتها واجهته.

—انت حولت الدم اللي كان متجهز لحالتي الطارئة لغرفة عمليات ميرنا؟

أحمد سكت خالص.

بعدها استخدم النبرة الرسمية اللي بيلجأ لها لما يعوز ينهي أي كلام.

—أنتوا الاتنين كنتوا في حالة حرجة. بنك الدم ملك للمستشفى مش لشخص معين. ميرنا جاليها نزيف بعد العملية وضغطها كان بيموت.

—أنا كنت بنزف داخلي وبموت.

—وانتِ عشتِ خلاص.

الكلمتين دول وجعوني أكتر من الجرح نفسه.

—أنا عشت عشان انت أخدت القرار الصح… ولا عشان كان ليا عمر؟

أحمد جز على سنانه.

—ما تقلبيهاش مشكلة زوجية.

ساعتها سألت سؤال ما كنتش أتوقع في يوم إني أسأله:

—هي ميرنا كانت محجوزة هنا ليه أصلاً؟

بص بعيد.

—حالتها كانت معقدة.

—ومين اللي وافق لها على جناح الـ VIP؟

سكوت.

—ومين اللي عملها الخصومات دي كلها؟

سكوت تاني.

في الآخر قال:

—هي مرت بظروف صعبة، وكان لازم أقف جنبها.

بصيت له بثبات.

—ودفعت ثمن الوقفة دي من دمي؟

قام وقف فجأة.

—انتِ أعصابك تعبانة.

—لا. أنا بتهيألي لأول مرة شايفه كل حاجة على حقيقتها.

طلبت منه يخرج.

وقبل ما يخرج من الباب، كان عنده الجرأة يقولي:

—ميرنا المظلومة مالهاش ذنب، بلاش تضايقيها.

أنا كنت متوصلة بالأجهزة، والجرح شاقق بطني، وكان كل همه هي.

استنيته لما قفل الباب.

حفظت التناشر دقيقة تسجيل.

وبعدها ناديت على الممرضة اللي سمعتها بتتكلم.

—أنا عاوزه صورة من ملفي الطبي، وسجلات بنك الدم، وكل أوراق التصاريح اللي طلعت وقت عمليتي.

الست وشت أصفر.

—يا هانم، يمكن المفروض تتكلمي مع الدكتور أحمد الأول.

هزيت راسي بالراحة.

—أنا خلاص اتكلمت مع جوزي. دلوقتي عاوزه أتكلم بالأوراق.

اللي ما كنتش أعرفه وقتها، إن السجلات دي هتثبت إن أحمد مش بس اختار ميرنا في الفجرية دي.

ده أخد قرار كان ممكن ينهي حياتي… ومضى باسمه تحت القرار ده مباشرة.

في نفس اليوم طلبت أتنقل لمستشفى تاني. أحمد ظهر وهو هينفجر من الغضب أول ما شاف عربية الإسعاف وهي واصلة. —أنتِ مش في حالة تسمح لكِ بالحرّكة! أمي، حاجّة سناء، كانت لسه عارفة اللي حصل ووقفت في وشه ردت عليه. —بنتي كانت هتموت هنا. لو عاوزة تمشي، هتمشي. أحمد حاول يفهّمها إن كل اللي حصل كان مجرد قرار طبي. أمي سمعته لحد ما قال: —داليا طول عمرها قوية، وكنت عارف إنها تقدر تستحمل شوية كمان. ساعتها أمي إدته قلم نزّل وشه للأرض. —دي مكنتش مراتك اللي المفروض تستحمل! دي كانت مريضتك اللي بتنزف وبتموت! عمري في حياتي ما سمعت أمي بترمّي بصوتها بالطريقة دي. فريدة، أختي ونداي وصاحبة عمري وهي محامية متخصصة في القضايا الطبية، وصلت بعد ساعة. قدمت طلبات رسمية عشان يتحفظ على ملفي الطبي، والسجلات الإلكترونية لبنك الدم، وتفريغ كاميرات الممرات. أحمد بدأ يرتبك ويتوتر. —الموضوع كدة بياخد أكبر من حجامه. فريدة بصت له بهدوء يخوّف. —في مريضة جاليها نزيف حاد وفي حد غير مسار الموارد والأدوية في وقت طوارئ. الحجم ده اللي بتحدده الحقائق يا دكتور. بعد ثلاث أيام وصلنا لأول دفعة من الأوراق والمستندات. الساعة 2:47 الفجر، بنك الدم أكتّد توافر أكياس متوافقة مع عمليتي. الساعة 3:12، كيسين منهم اتحولوا لغرفة عمليات ثانية. التوقيع: د. أحمد السري. الساعة 3:28 ضغط دمي نزل لمستوى خطر جداً. ولما الأطباء طلبوا دم زيادة، مكنش فيه أكياس متجهزة خلاص. أنا فضلت على قيد الحياة بفضل تبرع طوارئ وصل في آخر لحظة. بصيت لـ فريدة. —لو الشخص ده مكنش اتبرع… ما كملتش الجملة. أمي خرجت التواليت وهي بتبكي. أنا مكنتش القادرة أبكي. حتى البكاء كان بيوجع جسمي والجرح. بس المستند الأكتر إقلاقاً ظهر بعد كده. ميرنا بقالها أسابيع بتاخد مساعدات وتسهيلات من صندوق الرعاية الخاص بالمستشفى. وأنا كنت عارفة الصندوق ده أكتر من أي حد لأني أنا اللي ساعدت في تأسيسه. عشان أي حد ياخد دعم مالي كان لازم يثبت احتياجه ويمر على لجنة. ميرنا مكنتش منطبقة عليها ولا شرط من دول. وفي ملفها كان مكتوب جملة واحدة: “تصريح خاص من مدير المستشفى”. والتوقيع برضه: أحمد السري. فريدة دورت أكتر. عيلة ميرنا عندهم شركة مقاولات واستثمار عقاري، وقبل الحادثة بشهور، كانوا بيتكلموا مع أحمد عشان يدخلوا بتمويل وضخ مبالغ ضخمة للتوسع في المستشفى. مكنش استثمار رسمي لسه، بس التواريخ كانت متطابقة بشكل يخوف. رجوع ميرنا. المزايا اللي بتاخدها. المفاوضات. وأخيراً الفجرية اللي أحمد قرر يبعتلها الدم فيها قبلي. ميرنا كلمتني لما عرفت إننا بنحقق في الموضوع. —أنا كنت عاوزة أعيش بس —قالتها وهي بتشهق بالبكاء—. أنتِ مراته وبقالكم سبع سنين مع بعض، كنتِ عاوزاني أعمل إيه؟ —كنتِ عارفة إن الدم ده كان متجهز لحالتي أنا الأول؟ سكتت. وبعدها وقعت في الفخ. —أحمد كان عارف إنك هتتفهمي الموقف. حسيت بإن في حاجة جوايا اتكسرت للمرة الأخيرة. —وانتِ عرفتِ منين أحمد كان بيفكر في إيه؟ سكوت تام. سجلت المكالمة كلها. في الليلة دي فريدة جابت أمر نيابة عشان نتحفظ على التسجيلات الصوتية والكاميرات الداخلية للمستشفى. الصبح بدري كلمتني. صوتها كان متغير. —داليا، لقينا تفريغ كاميرا الممر. —فيها صوت واضح؟ —أيوه. —قالوا إيه؟ فريدة سكتت ثواني. —فيه دكتور مسموع وهو بيحذر أحمد إن تحويل أكياس الدم منك هيعرض حياتك للخطر. حسيت بكتفِ بيبثقل ونفسي بيتسحب. —وهو رد قال إيه؟ فريدة أخدت نفس عميق. —قال: “دي مراتي، أنا عارفها كويس، هي هتتفهم”. بس ده مكنش الأسوأ. قبل الجملة دي بدقايق، أحمد كان جاله اتصال يخص ميرنا واستثمار عيلتها. وفي التسجيل كان مسموع بالظبط هما وعدوه بإيه لو هي خرجت من العملية دي سليمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *