اهلي
بصيت له باستغراب: “تروح فين؟”
“عايز أروح لأبوكي وأمك في المزرعة.”
قلت له ببرود: “وتروح ليه؟ سعاد مش قالت لك إن هداياهم وريحتهم فيها بكتيريا؟”
زياد حط وشه بين إيديه، وصوته خنقه البكاء: “أنا حاسس إني رخيص أوي يا نورا.. حاسس إني واطيك وقليلت الحيلة لما سبت أمي تمشي كلامها وتكسر كبرياء راجل قد أبويا في السن، راجل شقي طول عمره عشان يربيكي ويطلعك مهندسة. أنا عايز أروح أعتذر لهم بنفسي، وأبوس على إيديهم كمان.”
النبرة دي مكنتش نبرة تمثيل. دي كانت نبرة واحد فاق من غيبوبة “سيطرة الأم” واكتشف إنه كان هيخرب بيته بإيده.
صباح السبت، ركبنا العربية.. أنا وزياد وفريدة.
مشين المسافة كلها في سكوت، لحد ما وصلنا المزرعة في الشرقية.
أول ما العربية وقفت قدام البيت القديم المحاط بشجر الجوافة والمواشي من بعيد، أمي خرجت تجري لما سمعت صوت العربية. أبويا كان واقف جنب الطلمبة، لابس جلابيته النظيفة بتاعت القعدة، ولما شاف العربية وقفت، ساب اللي في إيده ووقف مكان، مكنش عارف يقرب ولا يبعد.
زياد نزل من العربية بسرعة، وقبل ما أمي أو أبويا ينطقوا كلمة، مشي ناحية أبويا، ومسك إيده الاثنين، وحط وشه فيهم: “حقك عليا يا حاج توفيق.. أنا أسف، والتراب اللي تمشي عليه على راسي من فوق.”
أبويا الذهول أخد وش، بصلي وأنا نازلة بشايلة فريدة، وبعدين بص لزياد اللي كان بيعيط بحرقة. أبويا راجل أصيل، بطبعه البسيط، سحب إيده بالعافية وحضن زياد: “يا ابني استغفر الله.. انت ابني، وأنا عارف إنك مش بتاع الكلام ده.. ادخل يا ابني ادخل، البيت بيتك.”
أمي أخدت فريدة من إيدي وقعدت تبكي وتلثم فيها وتشم في ريحتها، وأبويا شالها على كتفه ومشي بيها في حوش المزرعة وهو بيغني لها أغاني الصعيد والشرقية، وفريدة ميتة على روحها من الضحك وتشد في شاربه.
سعاد حاولت بعد كدة تبعث عمي مصطفى يصلح الموقف، بس أنا كنت حاسمة:
* المفتاح اتاخد منها وما رجعش.
* زيارتها لفريدة بقت بموعد مسبق، وفي وجودي أنا وزياد، وقعدة رسمية ساعتين بالكتير في الصالون.
* مفيش حاجة اسمها “تحفظات طبية” تاني تطلع من بقها، وأي كلمة تقال في غيابي بتوصلني في ساعتها.
الدرس كان قاسي على الكل.. زياد عرف إن سكوته عن استبداد أمه كان هيخسره مراته وبنته، وسعاد عرفت إن الفلاحة اللي كانت فاكراها طيبة ومستكينة (أمي) عندها كبرياء يهد جبال، وإن الست اللي فاكراها “دلوعة ومسيارة” (أنا) تقدر تقلب الطاولة وتلغي وجودها في لحظة لو مسّت كرامة أهلي.