توزعيه
— الأكل ده مش بتاعك عشان تفرقيه على كلاب السكة!
صوت الخيزرانة وهي نازلة على الجسم شق هدوء الحارة في حي المطرية قبل الفجر. أحمد الشاذلي كان لسه بيلف من ورا الشارع، ووقف مكانه مذهول.
تحت لمبة نيون صفرا بترعش، كانت صباح واقفة ومسكة في إيدها خرطوم بلاستيك ملفوف. وقدامها، ساندة بإيدها على الحيطة، كانت مريم.. بنت عندها 26 سنة، شغال بياعة في محل فول وطعمية. قميص الشغل بتاعها كان متبهدل ومقطوع، وعلي ضهرها علامات ضرب جديدة وقديمة، منها حاجات من كتر ما هي قديمة بقت شبه الجلد نفسه.
— رميتي حتة العيش للكلب البني ده؟ مين فهمك إن ليكي حاجة ملكك في البيت ده؟
مريم معيطتش ولا صرخت. بس صوابعها اتعصرت على الطوب الأحمروهي ماسكة نفسها.
ورا شوية قفص قش، كان في بلدي أسمر بيهز ديله وبيعوي بالراحة وهو خايف. وذنه الشمال كانت مقطوعة حرف V.
أحمد حَس إن الهوا اتسحب من صدره.
بقاله 3 أسابيع بيلف في السيدة زينب، والحسين، و43 حارة ورا بعض يدور على “سيمبا”.. الكلب بتاع أخته الله يرحمها من 11 سنة. ودلوقتي الكلب واقف قدامه على بعد خطوات.
بس مريم نطقت الأول، من غير ما تبصله حتى:
— متخافش يا سيمبا.. مفيش حاجة.
كانت بتطمن الكلب وهي بتبلع الضرب.
— نزلي الخرطوم ده من إيدك! — أحمد قالها بصوت يقطع العرق والدم.
صباح بصتله بخضة، رمت الخرطوم من إيدها، ودخلت البيت وقفلت الباب بالترباس من جوة، ببرود حد فاكر إنه لسه مسيطر.
الكلب جرى واستخبى في فتحة في السور. أحمد كان يقدر يجري وراه، بس مقدرش يسيب مريم.
مريم عدلت قميصها بسرعة غريبة تبين إنها متعودة تعمل كده كل يوم، وبصتله وعينيها ناشفة من الدموع:
— امشي يا أستاذ.. لو فضلت واقف، هي هتطلع غلها فيا بالليل.
أحمد قلع الجاكيت بتاعه وحطه على القفص ومشي. وهي ملمستهوش طول ما هو واقف.
بعدها عرف إنها شغال في مطعم شعبية نايتي في العتبة. شافها وهي بتشيل الصواني وتقدم الشاي من غير ما نقطة تقع، رغم إن كل حركة كانت بتحرق ضهرها.
— شفتي الكلب تاني؟
— لأ.
كذبت عليه.
أحمد ساب 4000 جنيه تحت كوباية الشاي ومشي. مريم جِريت وراه في الشارع وحطت الفلوس على عربيته من الشباك:
— حضرتك اتلخبطت.. الفلوس دي مش بتاعتي.
متاكدش إنها كبرياء، هي بس مكنتش مصدقة إن ممكن حاجة حلوة في الدنيا تكون من حقها.