الممرضه
— الحمد لله.
سكتنا شوية، وبعدين قال:
— لفترة طويلة كنت فاكر إني لو كنت رجعت المستشفى في الوقت المناسب، كنا زمانا لسة متجوزين.
— يمكن اليوم ده كان هيخلص بشكل مختلف.
— بس كان هيبقي فيه يوم تاني غيره.
بصيتله:
— غالباً اه.
تامر نزل عينه في الأرض:
— أنا مرجعتش لندى.
— مكنتش محتاج تقوللي كده.
— عارف..
اخد نفس عميق:
— بس كنت عايزك تعرفي إني أخيراً فهمت إن مساعدتك لحد مش بتخليك بني آدم كويس، لو عشان تعمل كده هترمي الشخص اللي وعدت تصونه.
محسيتش بإحساس إني عايزة أعاقبه، قلتله:
— مبسوطة إنك فهمت ده.
— إنتِ مبسوطة في حياتك؟
فكرت في شغلي، في أمي، في أصحابي، في أيامي الحلوة والوحشة، وفي راحة البال لما برجع بيتي من غير ما أفكر هو مين اتفضل عليا النهاردة.
— اه، الحمد لله.
هز رأسه:
— يبقى أنا كمان مبسوط.
مطلبش مني فرصة تانية، وأنا معطلتوش ولا عرضت عليه.
لما رجعت القاعة، لقيت أمي بتدور على جزمتها تحت الطاولة بعد ما قلعتها من التعب.
— كنتِ بتكلمي مين؟
— تامر.
وشها اتغير في ثانية:
— كان عايز إيه؟
— يطمن عليا.
— وقلتيله إيه؟
— قلتله إني كويسة.
أمي بصتلي ثواني وقالت:
— يبقى إنتِ فعلاً كويسة.
وأنا راجعة البيت، فكرت في الست اللي من تلات سنين كانت بتبص على باب المستشفى وهو بيتقفل، وحاسة إن فيه حد تاني هو اللي بيحدد قيمتها.
أنا لقضيت شهور فاكرة إن أكبر جرح كان إن تامر اختار ندى عليا.
وبعدين فهمت حاجة أصعب بكثير: أنا كمان كنت بقالي سنين بختار نفسي في آخر القائمة.
كنت بستنى لما أبقى كويسة عشان أرجع أشتغل، وبستنى لما أحس بالأمان عشان أخد قرار، وبستنى حد تاني يأكدلي إن الوجع اللي حاسة بيه يستاهل الزعل قبل ما أصدق نفسي.
الصبح ده مهدّمش حياتي.. هو بس خلى الاستمرار في تجاهل نفسي شيء مستحيل.
أول ما وصلنا البيت، أمي كانت نامت في العربية. صحيتها بشويش ومديتلها إيدي:
— وصلنا يا أمي.
فتحت عينها وابتسمت:
— هتساعديني أنزل؟
— أكيد.
تسندت عليا ومشينا سوا للباب.
مش عشان أنا محتاجة حد يشيلني طول الوقت..
ولا عشان هي محتاجة أثبتلها إني أقدر أعمل كل حاجة لوحدي..
بس عشان إحنا الاتنين اتعلمنا درس جوازي كالمني سنين عشان أفهمه: إنك تحب حد، مش معناه إنك تخليه الشخص اللي دايماً لازم يستحمل، ويستنى، ويفهم ويسكت.
الحب معناه كمان إنك تختاره في الوقت اللي يفرق بجد.