المريله

البيت القديم كانت ريحته خشب مسكوف وعفرة وقهوة متسخنة. على الحيطان كانت متعلقة صور عيلة الفقي وهم بيفتتحوا المعارض وبيستقبلوا كبار الزوار، وبيضحكوا قدام منتجات المزرعة اللي إلهام لفّت بيها على محلات القاهرة والإسكندرية في شهور من التعب والشقاء. في آخر الممر، مخزن التقاوي القديم كان مقفول بقاله سنين. سامح كان دايماً يقول إن مفيش جوة غير شكاير كركوبة وفيران.

عم عماد حط مفتاح مصدي في إيد إلهام:

— الحاج مرسي الله يرحمه وصاني أشيله —وهنس بصوت واطي—. قاللي لو جه يوم وحاولوا يلووا دراعك عشان تمضي على حاجة، لازم تدخلي هنا قبل ما قلم يلمس ورقة.

الحاج مرسي، والد سامح، كان متوفي من سنتين. كان راجل ناشف، عزيز النفس، ومش بتاع كلام حلو، بس إلهام عمرها ما حست إنه ظالم. كان ساعات يلمحها سهرانة بتراجع الحسابات للفجر، فيحط جنُبها كباية شاي ويمشي من غير ولا كلمة. وده كان أقصى إظهار للتقدير يقدر يعمله.

المفتاح لفّ في القفل بصوت تكة عالية. جوة مكنش فيه فيران ولا حاجة. كان فيه صناديق متستفة بالتواريخ، وكشكول يوميات العمال، وصندوق حديد تحت حتة خيش. على الغطا، كان مكتوب بخط إيد واضح: “لإلهام… لو البيت ده قرر يظلم.”

فتحت إلهام الصندوق. لقيت تقرير خطي محتفظ بيه عن توقيع الضمانة بتاع 2021، وصور إيميلات متبعتة من مكتب سامح، وإيصال مستشفى في أسيوط باسمها وفي نفس التاريخ باليوم والساعة. وتحت كل ده، أجيندا صغيرة الحاج مرسي كان كاتب فيها تحويلات غريبة: إيداعات في حساب باسم أخت شيرين، وسحوبات كاش في نفس الأسبوع بتاع القرض، وفواتير “سماد ومعدات” لأراضي زراعية في طريق السادات ملهاش أي علاقة بمزرعة الفقي.

وفي آخر صفحة كانت فيه ورقة مكتوبة:

“إلهام: أنا اتأخرت كتير عقبال ما اعترفت إن ابني بيستغل تعبك كساتر لغلطاته. افتكرت إني أقدر أصلحه من غير ما أهد البيت، وبعقلي الخايب سبت الظلم يكبر. لو الورق ده وصل لإيدك، بلاش تمضي على أي حاجة قبل ما النيابة والشهر العقاري يراجعوا القرض. الفلوس دي مدخلتش المزرعة.”

إلهام حست إن دموعها هتنزل، بس الدموع اتجمدت في عينها وتحولت لصلابة. مكنتش راحة… كانت حصرة بس وراها ضهر مشدود.

من الممر، جه صوت شيرين وهي بتتكلم بحدّة:

— سامح، أنا قلتلك المخزن ده كان لازم يتفضى من زمان!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *