المريله
سامح زق الدوسيه ناحيتها:
— امضي هنا ونخلص بالمعروف. خدي حاجتك، وامشي بكرامتك، وسيبي المزرعة تتنفس.
استاذ أسامة، محامي العيلة، فتح الدوسيه بأصابع باردة ومستقرة:
— ده إقرار بالتنازل والانسحاب الودي. المدام إلهام بتقر فيه إن مالهاش أي صفة إدارية في المزرعة، وبتمضي على نصيبها في التزامات قرض سنة 2021.
إلهام رفعت عينها:
— قرض 2021؟
فك سامح اتشنج. الحاجة ثريا حطت الكباية من إيدها. وشيرين بصت الناحية الثانية وهي بتضغط على شنطتها.
في الصفحة الثالثة، إلهام شافت توقيع شبه توقيعها بالضبط. بس كان متقلد بزيادة. وتحتيه مكتوب إنها ضامنة في قرض بـ 6 مليون جنيه لـ “تطوير المعدات”. في التاريخ ده بالذات، في 2021، إلهام ماكنتش اصلاً في الجيزة ولا القليوبية. كانت في أسيوط مع أختها وهي بتعمل عملية جراحية صعبة، وكانت بتتلقى رسائل من سامح بيتحجج فيها إنه مش عارف يجيلهم عشان عنده “اجتماعات شغل مستعجلة”.
— ده مش تنازل —قالت إلهام بصلابة وصوت واطي—. دي اعتراف مكتوب بخط إيدكم إنكم نصابين.
سامح مال عليها وقاله بصوت واطي:
— بلاش دراما وتوصيل كلام. الناس جاية تاكل وتنبسط.
— الناس جاية تتفرج وأنت بتبلعي حق السنين اللي فاتت.
السكوت حلّ في المكان لدرجة إن صوت النافورة كان هو الوحيد اللي مسموع. وفجأة، خرج من القاعة الكبيرة عم عماد، المحاسب القديم بتاع المزرعة. كان قميصه مبلول عرق وشايل في إيده ظرف بني كبير ماسك فيه بأسناكه.
— يا أستاذ سامح —قال وهو وشّه أصفر—، في مكالمة مستعجلة جايّة من مكتب الشهر العقاري. بيسألوا عن المدام إلهام، مش حضرتك.
سامح اتسمر في مكانه.
عم عماد بص لإلهام وقال بصوت هادي بس مسموع للكل:
— وقالوا لو فتحوا معاكي موضوع قرض 2021 تاني، لازم تروحي تفتحي الخزنة القديمة اللي في المحزن… الحاج مرسي الله يرحمه كان سايب المفتاح ده معاكي.
كلمة “المفتاح” خلت الحاجة ثريا يهرب الدم من وشها في ثانية. كانت مجرد رمشة عين، بس إلهام لمحتها. وسامح كمان لاحظها، وعشان كده قام بسرعة من طوله والكرسي اتهز وراه بعنف.
— عم عماد خرف وكبر —قالها سامح بحدة—. ومش عارف هو بيقول إيه.
— كبرت ماشي —رد عم عماد وهو بيبلع ريقه—، بس لسة بعرف أقرأ التواريخ كويس.
إلهام من غير ما تستأذن حد، قلعت المريلة وطوتها بهدوء، وحطتها على كرسي شيرين، كأنها بترد لها الإهانة مغلفة ومترتبة. مشيت ناحية الممر الطويل بتاع البيت الكبير. سامح حاول يلحقها، بس شوية من المعازيم وقفوا في طريقه مش عارفين يوسعوا له ولا يتفرجوا، والتردد ده إدى لإلهام الكام ثانية اللي محتاجاها.