سبت كليتي
“أنتم مرحلة في حياتي وقفلتها”، ده النص اللي كانت كاتباه.
دموعي مانزلتش ساعتها.. بقيت متنحة للشاشة وكأن الكلام ده مكتوب لواحد تاني خالص. وبعدها ضحكت، بس مش ضحكة فرح.. ضحكت عشان أمي كانت عاوزاني أسيب شغلي وأقعد أخدم في بيت شهد أصلاً سابته وهربت منه!
تاني يوم أمي كلمتني من رقم غريب. رديت عشان كان عندي أمل أسمع منها كلمة “حقك عليا”.
— أختك طلعت واطية وقليلة الأصل! — ده أول كلام قالته أول ما رفعت السماعة — بعد كل اللي عملته عشانها، بصي ردتلي الجميل إزاي!
سكت وما نطقتش.
— أنا مش عارفة هعيش إزاي لوحدي يا مريم.. انتِ لازم ترجعي، انتِ اللي فاضلالي!
ما قالتش “أنا غلطت في حقك”.. ما قالتش “أنا جرحتك”.. قالتلي “انتِ اللي فاضلالي”، وكأنني كرسي قديم في البيت مالوش لازمة بس يسد خانة!
— أنا مش راجعة أعيش معاكي تاني يا أمي — رديت بكل هدوء.
— انتِ كمان هتهربين وتسيبي أمك؟
— أنا مسبتكيش، أنا مشيت لما لقيتك بتتعاملي معايا على إني الخدامة البديلة لشهد!
— أنا كنت بفكر في مصلحة البيت والعيلة!
— لأ، انتِ كنتِ بتفكري في الأسهل والأريح ليكي انتِ!
قفلت السكة قبل ما صوتي يتخنق ويهزني البكاء. وبعدها، اشتغلت الرسائل من الخالات، والجيران، وحتى صاحبة أمي الانتيم.. كلهم بيرددوا نفس النغمة: “دي أمك برضه”، “بلاش قسوة قلب”، “الست بتموت من القهرة”. ولا حد فيهم افتكر إن أنا كمان اتنقهرت واستُنزفت سنين من عمري!
بعد يومين نزلت شبرا ورحت البيت، من غير شنط ولا هدوم. أمي أول ما شافتني دخلت وإيدي فاضية، وشها جاب ألوان.
— أنا جيت أقولك قراري النهائي — قلتلها وأنا واقفة مكانِي — أنا هأجر أوضة وصالة جنب شغلي. وهبعتلك مبلغ ثابت كل شهر لمدة 3 شهور، لحد ما تشوفيلك شغلانة أو تتصرفي. بعد الـ 3 شهور دول، كل واحد هيشيل مسؤولية نفسه.
— انتِ بتحطي لأمك تاريخ صلاحية؟!
— لأ.. أنا بوقف تاريخ الصلاحية اللي انتِ حطيتيه لحياتي وأحلامي.
عيطت وعملت مناحة، بس ما اعتذرتش.. ورغم كده وافقت لأنها ما كانش قدامها حل تاني.
لقتلي أوضة وصالة صغيرة في الدقي، شباكها بيبص على شجرة كبيرة. اشتريت ترابيزة مستعملة، كرسيين، وكاتل صغير. أول ليلة، أكلت طعمية وفول لوحدي، وحسيت براحة بال ورحمة ما حسيتهمش من سنين.. محدش عايب على الأكل، محدش طلب مني قرش، ومحدش سابلي مواعين وسخة مستنيني أرجع من الشغل عشان أغسلها.