جاهله
قمت وقفت. مسك إيدي بلهفة وضغط عليها:
— مريم بلاش تسرع.. فكري تاني! أمي هتروح تعتذر لها والله، هخليها تتصل بوالدتك وتعتذر!
بصلته وابتسمت بحزن:
— اعتذار أصلها إيه؟ اعتذار عشان عرفت إن عندها مصنع وفلوس؟ اعتذار عشان لسانها بالإنجليزي أحسن منها؟ أمك مش بتعتذر عن غلطها، أمك بتعتذر لثروة أمي. وده يخليني أحتقر الوضع أكتر.
سبته مشيت من غير ما ألتفت ورايا، رغم إن دموعي كانت نازلة بتغرق وشي. الحب كان موجود، بس الاحترام كان اتكسر، والحب من غير احترام عامل زي البيت المنيي على رمل.. بيميل مع أول هوى.
رجعت البيت. أول ما فتحت باب الشقة، لقيت أمي قاعدات في الصالة، قدامها التليفزيون شغال بس هي مش متفرجة، كانت سرحانة. بابا كان قاعد جنبها بيمسك إيدها.
أول ما شافوني دخلت ووشي متأثر، أمي قامت وقفت بسرعة:
— عملتي إيه يا مريم؟
طلعت الدبلة من صباعي، وحطيتها في إيد أمي.
— فسخت الخطوبة يا ماما.
أمي بصت للدبلة، وبعدها بصت لي وعيونها اتملت دموع:
— يا حبيبتي.. أنا ما كنتش عايزاكي تخربي بيتك عشان حتة موقف.. أنا كبرت ودماغي أكبر من كلامهم..
قربت منها وحضنتها جامد، ودفنت وشي في كتفها:
— أنتِ ما خربتيش بيتي يا ماما.. أنتِ أنقذتيني. أنتِ اشتغلتي من وأنتِ عندك خمسة عشر سنة وشيلتي عيلة كاملة وصنعتي اسمك بعرقك وكرامتك.. لو أنا قبلت إن حد يقلل منك عشان أتجوز، أبقى ما تعلمتش منك أي حاجة. الراجل اللي ما يصونش مقامك، ما يلزميش.
بابا قام وقرب مننا وحضننا إحنا الاتنين، وقال بصوت حاسم:
— يسلم فمك يا بنتي.. الكرامة ما تتباعش بفلوس ولا بنسب.
بعدها بيومين، التليفونات ما بطلتش رن. فريدة حاولت تطلب تقابل أمي، وتتكلم مع بابا، ومحمود بعت لي مية رسالة بيترجاني فيها نتقابل ونصلح الأمور. بس أنا كنت أخذت قراري خلاص. بعتنا لهم حاجتهم في صناديق لحد باب بيتهم، وانتهت الحكاية قبل ما تبدأ.
مرت ست شهور..
مصنع “النور للنسيج” كبر أكتر، وأمي دخلت خط إنتاج جديد لتصدير Uniforms للفنادق في دول الخليج. بقيت بروح معاها الاجتماعات، وبشوف احترام أعتى رجال الأعمال ليها، مش عشان شهادتها، ولا عشان لسانها، بس عشان شخصيتها، التزامها، وصدقها في كل كلمة بتقولها.
في يوم، كنت قاعدة مع أمي في مكتبها بالشركة بنراجع العقود، دخلت السكرتيرة وقالت إن في وفد ألماني جاي يزور المصنع وعايزين يعملوا جولة.