جاهله
حماتي المستقبلية قالت على أمي “جاهلة” عشان معهاش غير شهادة إعدادية، واتكلمت عليها بالإنجليزي قدام صاحباتها… لحد ما أمي قررت ترد عليها بنفس اللغة.
أول مرة حماتي المستقبلية، فريدة، تقول على أمي “جاهلة”، كانت بتبتسم وهي بتصب القهوة.
— أنا مش قصدي حاجة وحشة يا مريم —قالت فريدة—. بس يعني واحدة معهاش غير إعدادية أكيد تفكيرها محدود، وفي مواضيع صعب تفهمها وتشارك فيها.
حسيت وشي بيولع من كتر الدموع والحرج. أمي، فاطمة، كانت قاعدة قدامها منتهى الثبات والهدوء، ماسكة الفنجان بين إيديها وما ردتش في ساعتها.
محمود، خطيبي، ضحك ضحكة متوترة:
— يا أمي خلاص، كنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده.
— في ايه؟ أنا بقول الحقيقة مش أكثر!
أنا كان عندي اتنين وتلاتين سنة، ومخطوبة لمحمود بقالي سنتين. اتعرفت عليه في الشركة اللي شغالين فيها في التجمع الخامس، هو دخل كأخصائي مبتدئ وأنا كنت مديرة مشتريات. في الأول خطفني بأسلوبه وطريقته مع الناس: شغال بضمير، مؤدب، ولطيف حتى مع أضعف حد مالوش مصلحة معاه.
عشان كده ما كنتش فاهمة هي فريدة دي طلعتله منين!
أمي سابت التعليم بعد الإعدادية وهي عندها خمسة عشر سنة عشان كانت أختهم الكبيرة. جدي تعب وقتها وتوفى، وجدتي ما كانتش تقدر تصرف على البيت لوحدها. فاطمة سابت المدرسة ونزلت تشتغل في ورشة خياطة صغيرة في شبرا.
فضلت سنين تفصل وتصلح هدوم. من مرتبها كملت مصاريف دراسة اتنين من إخواتها، وبالباقي كانت بتاخد كورسات مسائية في التفصيل وإدارة الأعمال.
على سن التلاتينات بدأت تعمل المريلات ويونيفورم المطاعم؛ في الأول كانت شغال على تربيزة سفرة البيت، وبعدها أجرت محل صغير وجابت تلات بنات يساعدوها.
لما أنا دخلت الثانوي، كانت أمي فتحت مصنع صغير.
بعد خمسة عشر سنة، مصنع “النور للنسيج” بقى بيورد يونيفورم لفنادق ومستشفيات وسلاسل مطاعم في القاهرة والإسكندرية وشرم الشيخ، وبياكل عيش منه أكتر من مية بيت.
أمي عمرها ما اتمنظرت بالحوار ده ولا حكت عنه.
كانت دايماً تقول لي: “الشهادة بتفتح باب، بس أصلك وتعاملك مع الناس هو اللي بيبين أنت مين بعد ما تدخل.”
عشان كده لما محمود طلب مني ما نحكيش كتير عن شغل أمي ومصنعها قبل ما أهالينا يتعرفوا على بعض كويس، الموضوع ما ضايقنيش.