جاهله

صاحباتها بدأوا يبصوا لبعض بإحراج وتوتر.

— بس مريم قالت إنك معاكي إعدادية بس!

— وده صح.

— طب… إزاي يعني؟!

أمي ابتسمت ابتسامة خفيفة:

— عشان لما واحدة تسيب المدرسة وهي عندها خمسة عشر سنة، ده مش معناه إنها بطلت تتعلم.

طلعت كارت من شنطتها وحطته على الترابيزة.

— لما مصنعي بدأ يورد يونيفورم لسلاسل فنادق أجنبية،زهقت من فكرة إن يبقى معايا مترجم في كل مقابلة. قعدت أتعلم بالليل، وجبت مدرسة خاصة، ولسنين كنت بسافر دبي وتركيا عشان أخلص صفقات. الإنجليزي بالنسبة لي كان أداة شغل، مش ميدالية بتمنظر بيها قدام الناس.

واحدة من الستات مسكت الكارت تقراه:

— “مصنع النور للنسيج”؟

واحدة ثانية قربت عشان تشوفه:

— أنتِ صاحبة المصنع ده؟! ده جوز أختي شغال في سلسلة فنادق بتتعامل معاكم!

فريدة بصت للكارت كإنها مش مصدقة:

— مصنع؟! بس محمود قال لي إنك شغالة!

— ما أنا شغالة —ردت أمي—. شقا كل يوم. بس الفرق إني صاحبة الشغل كمان.

كسفة الستات على الترابيزة اتغير اتجاهها تماماً.

واحدة من صاحبات فريدة بصلتها بجدية:

— أنتِ مش قولتي لنا إنها ست بسيطة مش متعلمة وأنتِ مجبرة تقبلي بيها عشان ابنك؟

والثانية ضافت:

— وأنتِ اللي قلتي لنا نكلم بالإنجليزي عشان نبقى نتفرج على حيرتها!

فريدة فتحت بقها بارتباك:

— يا جماعة أنا كنت بهزر!

— لا —رديت أنا أخيراً—. الهزار بيخلص لما الكل يضحك.

فريدة حاولت تمسك إيدي:

— يا مريم أنتِ مكبرة الموضوع ليه! لو كنت أعرف طبيعة شغل مامتك ما كنتش أبداً…

اتجمدت مكاني.

— هو ده بالضبط أصل المشكلة.

هي ما كانتش بتعتذر عشان هانت أمي.

هي كانت بتعتذر عشان اكتشفت إنها هانت ست طلعت معاه فلوس، ومصنع، وإنجليزي أحسن منها!

أمي هي كمان فهمت ده كويس.

— يا فريدة هانم، أنا لو ببيع هدوم على عربية، أو بشيل وبنظف، أو ما أعرفش ولا كلمة إنجليزي، كنت أستحق منك نفس الاحترام.

ما حدش قدر يرد بحرف.

لمينا شنطنا وقومنا وقفنا.

قبل ما نخرج، فريدة حصلتني لحد الطرقات:

— بلاش دراما واعملي عاقلة. اتكلمي مع محمود، إحنا خلاص بقينا عيلة واحدة.

تلفّت لها:

— لسه مابقيناش.

بالليل كلمت محمود وطلبت نقابل.

بس قبل ما يوصل الكافيه، جالي منه تلات رسائل من أمه، ومكالمتين، ورسالة أخيرة جمدت الدم في عروقي:

“فكري كويس في اللي بتعمليه. الجواز بينسب عيلات، وأمك المفروض تبقى أعقل من إنها تخسر النسب ده عشان كلمة تقالت.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *