صرفنا
مرت ثلاثة أيام.
في فجر يوم الإثنين، فاضت روح عم سيد إلى بارئها.
فاضت وهو ماسك إيدي، وجهه هادي ومفيش على وش أي ألم.. كان كأنه أخيرًا ارتاح من قسوة الدنيا ومن غدر الناس اللي فتح لهم بيته وأكّلهم من خيره.
مكنتش لوحدي؛ الدكتور والمحامي، الأستاذ صلاح المرشدي، كانوا معايا في اللحظات الأخيرة. وثّقنا كل حاجة بالدقيقة والساعة: شهادة الوفاة، التقرير الطبي المفصل، والأهم.. التحليل الجنائي المبدئي لإزازة الدوا المغشوشة اللي أمي مالتها مية، والتقرير الصادر من المستشفى العسكري اللي أثبت إن سحب الفلوس من الحساب وقطع العلاج كان سبب مباشر في تدهور حالته السريعة.
يوم التلات الضهر، الباب اتفتح.
دخلت أمي هدى وهي شايلة أكياس المشتريات والشنط من الماركات الشهيرة، ووراها زياد لابس نظارته الشمسية الجديدة وبيقلب في موبايله، ونورهان بتشتكي من زحمة الطريق.
—يا فتاح يا عليم.. البيت ماله ساقط وكاتم كده ليه؟ هي فين القهوة يا مريم؟
أمي قالت الجملة دي وهي بترم المفتاتيح والأكياس على الصالون، من غير ما تسأل حتى لو كان عم سيد صاحي ولا نايم.
طلعتلهم من الصالة، لابسة بدلتي العسكرية الزيتية الرسمية، ومستقيمة في وقفتي.
أمي بصتلي باستغراب:
—إيه ده؟ أنتِ لابسة الميري ليه في البيت؟ وهو سيد فين؟ نيمتيه ولا طالع عينك معاه؟
بصلتهم بتحدي وقولت بصوت هادي وجاف:
—عم سيد اتوفى فجر الإثنين.. واندفن أمانة ربنا yesterday الضهر.
أمي وقفت مكانها، وشها اصفرّ لثانية، بس سرعان ما استرجعت تعبيرات الجمود والتصنع، وقالت وهي بتمثل الحزن:
—لا حول ولا قوة إلا بالله.. البقاء لله. ياه.. ملحقناش نسلم عليه. بس كويس إنه ارتاح من العذاب ده، المرض كان صعب برضه. يلا، أديكِ قمتِ بالواجب ودفنتيه.
زياد قرب وهو بيحط إيده في جيبه:
—طب بقولك إيه يا مريم.. بالنسبة للنيش والترابيزة والحاجات اللي في الصالة، إحنا محتاجين نبيع الباقي عشان الحساب البنكي كده يادوب صفر، وإحنا محتاجين مصاريف الفترة دي عقبال ما نشوف المعاش بتاعه هيتقسم إزاي.
قعدت على الكرسي، وحطيت رجل على رجل، وبصلتهم بواحد من أبرد الانطباعات اللي ممكن تطلع من طبيبة عسكرية:
—معاش؟ أنتم فاكرين إن موضوع المعاش ده هو اللي فاضل؟
أمي كشرت:
—قصدك إيه يا مريم؟ اتكلمي عدل عدل.