رجعت
وقفت مكاني: “أنا عمري ما كتبت توكيل بالمواصفات دي!”
“عارف،” أيمن قال بجدية. “وده معناه إن التزوير شغال من زمان مش من إمبارح بس. بس الألعم من كده يا دكتورة… فاروق وهو محبوس، بعت لك رسالة مع عمتك سعاد.”
“قالت إيه؟”
أيمن طلع ورقة مطوية من جيبه وهز رأسه: “بيقولك لو ما تنازلتِش عن محضر الاقتحام والسرقة قبل الظهر، أوراق قضية الإهمال الطبي القديمة اللي كانت في مستشفى الجامعة -واللي هو شال مصاريف التسوية بتاعتها من وراكي زمان- هتوصل لنقابة الأطباء وللإدارة الحالية في المستشفى. وبيقولك شغلك وسمعتك كجراحة طوارئ قدامهم ساعات بس.”
سكتُ لحظة. ريحة الممر، وصوت خطوات الناس على البلاط، وصوت أيمن وهو مستني ردّي.. كل ده اختفى في ثانية.
ورقة الإهمال الطبي القديمة.
رجعت بذاكرتي سبع سنين لورا. لما كنت لسه نايُب جراحة في مستشفى الجامعة، وراجل كبارة دخل الطوارئ بنزيف داخلي حاد. عملت كل حاجة صح، بس الحالة تدهورت، وعيلته هددت تعمل قضية وتوديني في داهية. وقتها فاروق دخل، وقال إنه جاب محامي كبير ودفع “مبلغ وقدره” تحت الترابيزه عشان ينهي الليلة وما يضيعش مستقبلي، وفضل كل سنة يفكّرني بإن لولاه كنت هكون بره النقابة.
كنت فاكرة إنه حماني.
بس اتاري الأب اللي كنت فاكراه بيحميني، كان بيبني أرشيف عشان يبتزني بيه في اليوم اللي أتمرد فيه عليه.
“يا دكتورة مريم؟” أيمن نادي عليا بهدوء وهو بيبص لي بقلق. “جلسة النيابة هتتفتح كمان نص ساعة. لازم نأخد قرار. هل هنقدم تنازل بشروط، ولا نكمل؟”
أخدت نفس عميق، وطلعت الموبايل من شنطتي.
“أيمن،” قلت بصوت ملوش أي علاقة بالخوف. “هو فاروق فاكر إن المستشفى اللي بشتغل فيها دلوقتي هتطردني لو شافوا الورقة دي؟”
“الموضوع ممكن يعمل شوشرة، وتفتيش من النقابة…”
“الورقة دي ملعوبة،” قطعت كلامه بثقة. “أنا الجرّاحة اللي ماسكة قسم الطوارئ، وكل عملية عملتها بالورق والقلم. والعملية القديمة بتاعة الجامعة أنا أصلًا معايا تقريرها الطبي الكامل اللي بيثبت إن العيان دخل متأخر، وفاروق ما دفعش حاجة عشان يحميني.. هو دفع عشان يداري على غلطة المحامي صاحبه اللي كان عايز ياخد سبوبة من أهل المريض!”
أيمن بصلّي بذهول: “يعني أنتِ معاكي إثبات؟”
“معايا كل حاجة. فاروق كان فاكرني العيلة الهابلة اللي بتصدق أي كلمة، بس أنا دكتورة طوارئ يا أيمن.. أنا بجمع الأدلة وأنا بشق الجرح.”